
في خطوة تعكس تحولاً جوهرياً في العلاقات الدولية، استقبلت العاصمة الألمانية برلين الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في زيارة رسمية حملت أبعاداً استراتيجية تتجاوز ملف الطاقة التقليدي. وخلال مراسم الاستقبال في فيلا بورسينغ التاريخية، أكد الرئيس تبون على التطور النوعي الذي شهدته العلاقات بين البلدين، واصفاً إياها بمرحلة جديدة من التعاون الوثيق.
تأتي هذه الزيارة في توقيت بالغ الحساسية لأوروبا، التي تسعى جاهدة لتأمين إمدادات طاقة بديلة ومستدامة. وقد توجت المحادثات بتوقيع ثلاثين اتفاقية تعاون شملت قطاعات الهيدروكربونات، الطاقة المتجددة، الصناعات الصيدلانية، والتكنولوجيا المتقدمة، وذلك على هامش المنتدى الاقتصادي الثنائي في برلين.

أكد المستشار الألماني فريدريش ميرز أن الجزائر تقدم مساهمة بالغة الأهمية لأمن إمدادات الطاقة في أوروبا، مشيراً إلى أن الجزائر لا تكتفي بكونها مصدراً للغاز والنفط، بل تمتلك مخزونات استراتيجية من المواد الخام النادرة التي تحتاجها الصناعات الأوروبية.
من جانبه، شدد الرئيس تبون على موثوقية الجزائر كشريك طاقوي، مصرحاً: نحن حريصون على أن نكون مورداً موثوقاً، ونلتزم دائماً بتعهداتنا التعاقدية، مؤكداً أن الإمدادات الجزائرية ستوجه لدعم احتياجات القارة الأوروبية بأكملها.

تصدر ممر الهيدروجين الجنوبي المباحثات، وهو المشروع الطموح الذي يربط شمال أفريقيا بإيطاليا والنمسا وألمانيا. ويعد هذا الممر جزءاً من استراتيجية بوابة العالم (Global Gateway) التابعة للاتحاد الأوروبي، حيث تهدف الجزائر لأن تكون المركز الرئيسي لإنتاج الهيدروجين الأخضر وتصديره عبر هذا الممر الذي تبلغ طاقته التصميمية 4 ملايين طن سنوياً.
في سياق الزيارة، تطرق المؤتمر الصحفي إلى ملفات سياسية وقضائية، حيث سُئل الرئيس تبون عن قضية الصحفي الفرنسي كريستوف غليز المحتجز في الجزائر، وأكد تبون احترامه لاستقلالية القضاء الجزائري، مشدداً على أن هذه القضايا تُناقش حصراً في إطار السيادة الوطنية.
تأتي هذه الزيارة لترسم معالم مرحلة جديدة من الشراكة الاستراتيجية، حيث تسعى ألمانيا لتوطيد علاقاتها مع الجزائر ليس فقط كشريك في الطاقة، بل كحليف محوري في منطقة المتوسط في ظل التحديات الجيوسياسية الراهنة.