
في ظل انهيار القيم الذي يشهده العالم المعاصر، تبرز تساؤلات ملحة حول صمود الأخلاق في وجه تيه الحضارة الغربية التي جعلت من المنفعة غايتها الوحيدة. ففي عالم يعاني من ازدواجية المعايير، يطرح السؤال الجوهري: هل ما زال النموذج الإسلامي قادراً على تقديم إجابات كونية، أم أن الأمة الإسلامية استغرقت في استهلاك نموذج غربي يفرض اللذة بدلاً من الفضيلة؟
تؤكد الفيلسوفة الجزائرية، الدكتورة نورة بوحناش، أستاذة الفلسفة بجامعة قسنطينة، أن الأزمة الحقيقية التي تواجهنا اليوم هي أزمة بناء الإنسان. وتشير في حوارها إلى أن الحضارة الغربية، القائمة على العلم والتقنية، فقدت بوصلتها الأخلاقية، مما أدى إلى حالة من نهاية المعنى والعدمية.
ترى الدكتورة بوحناش أن الأخلاق سابقة على الدين بوصفها فطرة إنسانية، لكن الدين يأتي ليمنحها بعداً ميتافيزيقياً وأدوات عملية للتحقق. وتوضح قائلة: الدين يمنح الأخلاق تبريراً مرجعياً، ويقدم للإنسان ورقة طريق (الصراط المستقيم) التي تحميه من التيه. وتنتقد بوحناش الفصل الموروث بين الفعل الديني والفعل الأخلاقي، معتبرة أن أي تدين يتعارض مع الأخلاق هو تدين زائف لا يمت لجوهر الرسالة المحمدية بصلة.
فيما يتعلق بالتطور التكنولوجي، تحذر بوحناش من أن المجتمعات الإسلامية تعيش حالة من التبعية والتقليد، حيث يتم استهلاك التكنولوجيا دون امتلاك وعي بآثارها. وتضيف: نحن نعيش حالة من السير أثناء النوم؛ فالتكنولوجيا أعادت برمجة الذات الإنسانية وعززت الفردانية، مما أدى إلى تفكك الروابط الأسرية.
تشير بوحناش إلى أن ما يحدث في غزة هو الدليل القاطع على سقوط المركزية الغربية في اختبار الأخلاق. وتؤكد أن النظام العالمي الحالي قائم على أنانية الذات، مما يضع البشرية أمام ضرورة العودة إلى نماذج تعلي من قيمة الإنسان بدلاً من تجاوزه أو تسليعه.
وتختتم بوحناش بأن الحل لا يكمن في استيراد نماذج أجنبية، بل في استعادة النموذج الإسلامي الأصيل الذي يحترم كرامة الإنسان، والعمل على بناء جيل يمتلك وعياً نقدياً قادراً على توظيف التكنولوجيا في سياق أخلاقي، بدلاً من الانقياد وراء حاجات استهلاكية زائفة تفرضها الرأسمالية العالمية.