
تكشف بيانات تجارة النفط العالمية عن تحول استراتيجي في بوصلة بكين، حيث بدأت المصافي الصينية المستقلة -التي تعد السوق الرئيسية للنفط الإيراني- في إعادة توجيه جزء من مشترياتها نحو خامات أكثر استقراراً وأرخص تكلفة قادمة من دول الخليج. هذا التحول لا يعني تخلي الصين عن شراكتها مع طهران، بل يؤكد أن بكين تضع أمن الطاقة واستقرار الإمدادات على رأس أولوياتها السياسية.
تشير بيانات التداول الأخيرة إلى أن مصافي إقليم شاندونغ الصينية وشركات التكرير الخاصة مثل شنغهونغ بتروكيميكال اتجهت بقوة نحو نفط قطر والعراق والإمارات والسعودية. يعود ذلك إلى الخصومات التنافسية التي قدمتها دول الخليج، والتي تراوحت بين 5 و8 دولارات للبرميل مقارنة بخام برنت، بينما ظل خصم الخام الإيراني محدوداً عند دولارين إلى 3 دولارات فقط.
ويوضح الخبراء أن الميزة السعرية للنفط الإيراني لم تعد كافية لتعويض المخاطر المرتبطة بالعقوبات، وصعوبات التأمين، والتعقيدات المالية، خاصة مع توفر بدائل خليجية توفر بيئة تجارية أكثر أماناً.
شهدت واردات الصين من النفط الإيراني هبوطاً حاداً؛ حيث أظهرت بيانات ستاندرد آند بورز غلوبال انخفاضاً بنسبة 41.4% في يونيو 2026 مقارنة بالشهر السابق، لتصل إلى أدنى مستوى لها في 17 شهراً. ويرجع هذا التراجع إلى عدة عوامل:
على الرغم من أن الصين تستوعب 80% من صادرات النفط الإيرانية، إلا أن طهران لا تمثل سوى جزء هامشي من واردات بكين النفطية المتنوعة. هذا الاختلال يمنح الصين نفوذاً اقتصادياً واسعاً، لكنه لا يترجم بالضرورة إلى تحالف سياسي أو أمني كامل. تؤكد الدراسات أن بكين تفضل توظيف نفوذها الاقتصادي والدبلوماسي للوساطة في الأزمات بدلاً من الانخراط في التزامات عسكرية دفاعاً عن إيران.
أثبتت دول الخليج أنها مورد يصعب الاستغناء عنه، خاصة مع امتلاك السعودية والإمارات مسارات بديلة لتجاوز مضيق هرمز (مثل خط حبشان-الفجيرة). هذا التحول يعزز مكانة دول الخليج كشريك استراتيجي يتجاوز حدود النفط مقابل السلع إلى شراكات شاملة في التكنولوجيا، الذكاء الاصطناعي، والطاقة المتجددة.
في المحصلة، تظهر بكين براغماتية عالية في إدارة ملفاتها، حيث تظل المصالح مع دول الخليج هي الضابط الفعلي لأي سقف سياسي، بينما تظل العلاقة مع طهران محكومة بجدوى اقتصادية ومخاطر جيوسياسية لا تسمح بتجاوز الخطوط الحمراء التي قد تهدد تدفقات الطاقة العالمية.