
يصف الكثير من الآباء اللحظة التي يتلقون فيها تشخيص إصابة طفلهم بالتوحد أو اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه بأنها الأكثر وطأة في حياتهم. فبينما يغادر البعض العيادة في حالة من الذهول أو عدم التصديق، يسعى آخرون للتمسك بفرضية وجود خطأ في التقييم، أو يتجاهلون الأمر تماماً في حياتهم اليومية. ورغم تباين هذه الاستجابات، يؤكد الخبراء أنها ليست دليلاً على الضعف، بل هي آلية دفاع نفسي موثقة علمياً تساعد العقل على استيعاب الصدمة تدريجياً.
تشير الدراسات إلى أن الإنكار يعمل كحائط صد مؤقت يحمي الوالدين من التأثير العاطفي الحاد للتشخيص. وقد يتخذ هذا الإنكار أشكالاً متعددة، منها السعي وراء آراء طبية متكررة أملاً في نتيجة مغايرة، أو تفسير سلوكيات الطفل بأنها شقاوة طبيعية أو تأخر بسيط في النطق، وصولاً إلى تأجيل البدء في الخطط العلاجية وتجنب الحديث عن الحالة مع المحيطين.

لا يتوقف الأمر عند مرحلة الصدمة الأولى، إذ يمر العديد من الآباء بما يُعرف بـ الحزن المزمن؛ وهو حزن متجدد لا يبهت مع الوقت، بل يرتبط بالفجوة بين الأحلام التي رسمها الوالدان لمستقبل طفلهم والواقع الذي فرضته التحديات النمائية. كما يستخدم الباحثون مصطلح الخسارة الغامضة لوصف فقدان الصورة المستقبلية للطفل، وهي حالة معقدة لا تحظى باعتراف اجتماعي كافٍ كالفقد التقليدي، مما يزيد من شعور الآباء بالعزلة.
وتشير المراجعات العلمية إلى أن المشاعر الأكثر شيوعاً بعد التشخيص تشمل الصدمة، الخوف، الغضب، والشعور بالذنب. وقد أظهرت البيانات أن الأمهات غالباً ما يختبرن مستويات أعلى من الحزن، لا سيما في المرحلة التي تلي التشخيص مباشرة.

تشير الأبحاث إلى تباين في أساليب التكيف بين الوالدين؛ فالأمهات يملن إلى التعبير المباشر عن مشاعرهن والبحث المكثف عن المعلومات، بينما يميل الآباء غالباً إلى كبت المشاعر أو الانغماس في العمل والتركيز على الحلول العملية كآلية للهروب من المواجهة العاطفية. ومع ذلك، يؤكد المتخصصون أن كلا النمطين طبيعي، وأن كلاً من الأب والأم بحاجة إلى مساحة كافية لمعالجة هذه التجربة.
رغم أن الإنكار مرحلة طبيعية، يحذر الخبراء من تحوله إلى عائق دائم. فالتأخير في تقبل التشخيص قد يؤدي إلى ضياع نافذة التدخل المبكر، وهي الفترة الذهبية التي يكون فيها الطفل أكثر قدرة على الاستفادة من البرامج العلاجية والتعليمية. إن الاعتراف بالمشاعر والحديث الصريح مع المختصين ليس ضعفاً، بل هو الخطوة الأولى والأساسية نحو تقديم الدعم الأمثل للطفل وضمان مستقبله.