
لم يكن التحول الذي شهدته قطر منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي مجرد طفرة نفطية عابرة، بل كان عملية إعادة صياغة شاملة للنموذج الاقتصادي للدولة. فعندما تولى الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني مقاليد الحكم عام 1995، كانت قطر تمتلك ثروة غازية هائلة في حقل الشمال، لكنها لم تكن قد استُثمرت بعد بالشكل الذي يضعها في مصاف القوى الاقتصادية الكبرى.
لقد وضع الشيخ حمد بن خليفة رؤية اقتصادية استراتيجية بدأت ملامحها تتشكل منذ توليه رئاسة المجلس الأعلى للتخطيط عام 1989، ليرسم مساراً اعتمد على تحويل الثروة الطبيعية إلى أصول إنتاجية ومؤسسات مالية قوية وبنية تحتية متطورة.
شكل تطوير حقل الشمال، أكبر حقل منفرد للغاز الطبيعي في العالم، نقطة الانطلاق الحقيقية. وبقرار استراتيجي جريء، سرّعت قطر وتيرة الاستثمار في مشروعات تسييل الغاز، لتنتقل خلال أقل من 15 عاماً من تصدير أول شحنة عام 1996 إلى تصدر قائمة أكبر مصدري الغاز الطبيعي المسال في العالم بحلول عام 2010.

انعكس هذا التحول في الأرقام، حيث ارتفعت القيمة المضافة لقطاع الهيدروكربونات من 11 مليار ريال قطري إلى 403 مليارات ريال خلال فترة حكمه، مما وفر السيولة اللازمة لتمويل مشاريع التنمية الشاملة، ورفع الناتج المحلي للفرد بنحو 6 مرات.
وفقاً لبيانات البنك الدولي، نما الاقتصاد القطري بأكثر من 20 ضعفاً خلال عهد الشيخ حمد، حيث قفز الناتج المحلي الإجمالي من حوالي 8 مليارات دولار عام 1995 إلى 199 مليار دولار عام 2013، مسجلاً معدلات نمو هي الأعلى عالمياً في فترات ذروة الإنتاج.
ولضمان استدامة هذه الثروة، أُنشئ جهاز قطر للاستثمار في عام 2005 لإدارة الفوائض المالية. وقد نجح الجهاز في التحول إلى أحد أكبر الصناديق السيادية في العالم، مقتنصاً فرصاً استثمارية عالمية كبرى في قطاعات العقارات، والطاقة، والرياضة، والصناعة، مما جعل قطر لاعباً مؤثراً في الأسواق الدولية.
لم تكن الرؤية محصورة في الأرقام الاقتصادية، بل امتدت للاستثمار في رأس المال البشري عبر إنشاء مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع، واستقطاب أعرق الجامعات العالمية لضمان بناء اقتصاد قائم على المعرفة. كما شهدت البلاد نهضة عمرانية شملت مطار حمد الدولي، وميناء حمد، ومدينة لوسيل، وهي المشاريع التي مهدت الطريق لاستضافة قطر لكأس العالم 2022، لتصبح أول دولة في المنطقة تحقق هذا الإنجاز.

إن الإرث الذي تركه الأمير الوالد، والذي يتواصل اليوم تحت قيادة أمير البلاد الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، يتمثل في تحويل قطر من اقتصاد معتمد على تصدير النفط الخام إلى نموذج اقتصادي عالمي يجمع بين الريادة في الطاقة، وتنوع الاستثمارات، ورصانة المؤسسات، وهو ما تكرسه رؤية قطر الوطنية 2030 لضمان رفاه الأجيال القادمة.