
في تحول استراتيجي لافت، بدأت شركات التكنولوجيا الحيوية الأميركية الناشئة والعملاقة على حد سواء، في انتهاج سياسة التكتم الشديد على أبحاثها العلمية، وذلك بعد عقود من اتباع نهج الشفافية لجذب المستثمرين. يأتي هذا التغيير الجذري كإجراء احترازي لمنع المنافسين، لا سيما في الصين، من استنساخ الأبحاث وإطلاق تجارب سريرية منافسة بوتيرة أسرع.
تواجه شركات الأدوية اليوم تحديات وجودية؛ حيث إن الإعلان عن نتائج تجربة سريرية ناجحة في مؤتمر طبي دولي أصبح يمثل خارطة طريق للمنافسين الصينيين لتقليد الفكرة وتطويرها. وتشير التقارير إلى أن الأبحاث في الصين تُنفذ بسرعة تضاهي ضعف نظيرتها في الولايات المتحدة، وبتكلفة تشغيلية لا تتعدى النصف، مما خلق ضغوطاً تنافسية غير مسبوقة.
وفي هذا السياق، أوضحت بريا سينغهال، رئيسة التطوير في شركة بايوجين، أن اللحاق السريع بالمنافسين يمثل مصدر قلق حقيقي، مشيرة إلى أن شركات التكنولوجيا الحيوية الصينية أصبحت تمتلك براعة فائقة في تطوير الأهداف العلاجية المعروفة وتحسين دقتها.
بالنسبة للشركات الناشئة، تسببت هذه المخاوف في خلق معضلة حقيقية؛ فالتواصل التقليدي مع المستثمرين لجمع التمويل يتطلب الكشف عن معلومات علمية حساسة، وهو ما قد يؤدي إلى تسريبها. من جهة أخرى، يؤدي فرض السرية إلى تقليص فرص الوصول إلى التمويل، وحصرها في دوائر ضيقة جداً.
وتؤكد كارين كنودسن، الرئيسة التنفيذية لمعهد باركر إنستيتيوت فور كانسر إميونوثيرابي، أن المستثمرين أصبحوا يطالبون اليوم بأدلة ملموسة على نجاح الدواء لدى المرضى قبل ضخ الأموال، وهو أمر أصبح تحقيقه أكثر سهولة في الصين نظراً لسرعة إجراء التجارب السريرية هناك.
وفقاً لبيانات شركة نورستيلا المتخصصة في علوم الحياة، شهد عام 2025 ارتفاعاً لافتاً في عدد التجارب السريرية المبكرة في الصين، لتصل إلى نحو 5 أضعاف ما كانت عليه قبل عقد من الزمن، بينما استقر عدد التجارب المماثلة في الولايات المتحدة عند مستوياته السابقة.
هذا التحول دفع شركات الأدوية العالمية الكبرى إلى إعادة حساباتها، حيث أصبحت تدرس جدياً الاستحواذ على الابتكارات الدوائية الصينية في مراحلها الأولى بدلاً من منافستها.
على الصعيد السياسي، يسعى الكونغرس الأميركي للحد من تدفق الاستثمارات إلى قطاع الأدوية الصيني. وقد طرح مشرعون مؤخراً مشاريع قوانين تلزم وزارة الخزانة بمراجعة الاستثمارات في هذا القطاع، مع دعوات لفرض قيود على قبول بيانات التجارب السريرية القادمة من الصين لدى إدارة الغذاء والدواء الأميركية (FDA).