
رغم دخول فصل الصيف، تجد أوروبا نفسها أمام اختبار مبكر وحاسم لاستعدادات موسم الشتاء المقبل. وتظهر البيانات الأخيرة تباطؤاً في وتيرة ملء مرافق تخزين الغاز مقارنة بالسنوات السابقة، في ظل منافسة شرسة مع الأسواق الآسيوية على شحنات الغاز الطبيعي المسال، واستمرار حالة الضبابية المحيطة ببعض مصادر الإمداد الحيوية.
تشير تقديرات وكالة التعاون بين منظمي الطاقة في الاتحاد الأوروبي (ACER) إلى أن مخزونات الغاز الأوروبية بدأت موسم الحقن في الأول من أبريل/نيسان عند مستوى 28%، وهو أدنى مستوى لها في 4 سنوات. وعلى الرغم من ارتفاعها لاحقاً لتصل إلى نحو نصف الطاقة التخزينية، إلا أنها لا تزال دون متوسط السنوات الماضية ودون وتيرة الملء التي اتبعتها القارة عقب أزمة عام 2022.
وفي حين تفرض القواعد الأوروبية بلوغ مستوى تخزين 90% بحلول الأول من نوفمبر/تشرين الثاني، أبدت المفوضية الأوروبية مرونة هذا العام، سامحةً بمستويات أدنى قد تصل إلى 70% أو 80% في حالات معينة، وذلك لتجنب عمليات الشراء القسري بأسعار باهظة في ذروة الطلب.
يستبعد خبراء الطاقة تكرار سيناريو أزمة عام 2022، مؤكدين أن أوروبا اليوم باتت أكثر استعداداً وتنويعاً لمصادر إمدادها بين الغاز الأمريكي والنرويجي والجزائري، فضلاً عن تعزيز الاعتماد على الطاقة النووية في دول مثل فرنسا. وتوضح خبيرة شؤون الطاقة، لوري هايتايان، أن القارة لا تواجه أزمة وجودية، بل حالة من الترقب والضغط على الأسعار، خاصة أن حصة الغاز الروسي التي كانت تشكل 43% قبل الحرب تلاشت، بينما لا تشكل الإمدادات القطرية والعربية حالياً سوى نحو 8% من واردات أوروبا.
تفرض السوق العالمية ضغوطاً إضافية، حيث يدفع ارتفاع الطلب في الصين والهند وجنوب آسيا شحنات الغاز المسال نحو الأسواق الأكثر قدرة على دفع أسعار مرتفعة. وتشير بيانات شركة كابلر إلى انخفاض واردات الاتحاد الأوروبي من الغاز الطبيعي المسال بنحو 2.37 مليون طن خلال شهري مايو ويونيو الماضيين، مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، في حين زادت الشحنات الأمريكية المتجهة إلى آسيا.
ينعكس تباطؤ التخزين وموجات الحر الطويلة على أسعار الكهرباء والصناعة. وتؤكد هايتايان أن الصناعات الثقيلة -كالأسمدة والزجاج والمعادن- هي الأكثر عرضة للخطر، حيث يؤدي ارتفاع كلفة الطاقة إلى ضغوط تضخمية جديدة تضع البنك المركزي الأوروبي في مأزق بين دعم النمو واستقرار الأسعار.
من جانبه، يرى الباحث الاقتصادي عامر الشوبكي أن المخاطر في مضيق هرمز وتأثيرها على حركة الشحن تزيد من تعقيد المشهد، مشيراً إلى أن تقارب أسعار الغاز بين أوروبا وآسيا يجعل الدول الأقل مالياً عرضة لنقص الإمدادات.
تظل قطر لاعباً محورياً في أمن الطاقة العالمي، رغم أن آسيا تظل الوجهة الأكثر حساسية لأي اضطراب في الإمدادات القطرية نظراً للعقود طويلة الأجل. وفي المقابل، تواجه الجزائر تحدي الموازنة بين الطلب الأوروبي القوي والاستهلاك المحلي المتزايد، مما يحد من قدرتها على التحول إلى بديل كامل وسريع لسد العجز في القارة العجوز.