
يواجه المشهد السياسي الليبي تحدياً وجودياً يتجاوز أزمة تغيير الحكومات أو تقاسم المناصب، ليتمحور حول سؤال استراتيجي: من يمتلك الحق في صياغة قواعد اللعبة السياسية وضمان تنفيذها؟
وقد تجلى هذا الصراع مؤخراً في إعلان المجلس العسكري في مصراتة رفضه لأي ترتيبات سياسية تُفرض على الليبيين، معترضاً على الأسماء المتداولة ضمن التصور الأميركي لإعادة تشكيل السلطة التنفيذية، ومؤكداً أن أي مسار لا يستند إلى توافق ليبي خالص يمثل مساساً بالسيادة الوطنية.
أزمة المرجعية: جذور الانقسام
يرى مراقبون أن الانقسام المؤسسي الذي تعيشه البلاد ليس أصل الأزمة، بل نتيجة مباشرة لغياب مرجعية سياسية موحدة تحظى باعتراف جميع الأطراف. فمنذ عام 2011، تعاقبت الاتفاقات والمبادرات الدولية، إلا أن معظمها ركز على تشكيل سلطات انتقالية أكثر من اهتمامه ببناء قواعد دائمة لتداول السلطة.
تتوزع القوى الفاعلة في المشهد الراهن بين ثلاث مرجعيات متنافسة:
هل تنجح واشنطن في هندسة العملية السياسية؟
يتزامن الحراك الأميركي مع تحولات جيوسياسية جعلت ليبيا نقطة ارتكاز في التنافس الدولي، مما دفع واشنطن للانتقال من مرحلة الدعم إلى محاولة إعادة هندسة قواعد العملية السياسية. يرى البعض أن هذه المبادرة تتجاوز تغيير الوجوه، لتستهدف صياغة البيئة السياسية التي ستنتج السلطة القادمة.
معضلة الضمانات التنفيذية
تظل أزمة الضمانات هي العقدة الأبرز؛ فالتاريخ السياسي الليبي حافل بالاتفاقات التي انهارت بسبب غياب آليات الإلزام. اليوم، لم يعد السؤال من يكتب الاتفاق؟ بل من يضمن احترامه؟ ومن يمتلك القدرة على فرض التنفيذ حين تتعارض المصالح السياسية مع الحسابات العسكرية.
تعدد الرؤى حول المسارات المستقبلية
في هذا السياق، يرى الدكتور يوسف الفارسي، أستاذ العلوم السياسية، أن المبادرة الأميركية قد تكون مدخلاً ضرورياً لإنهاء الانسداد السياسي، مؤكداً أن الشرعية الحقيقية لا تأتي إلا عبر صندوق الاقتراع. وعلى الجانب الآخر، تشدد حواء زايد، عضو الحوار المُهيكل، على ضرورة استكمال المسار الأممي لضمان التحول الحقيقي، فيما يدافع أنور ياسين، الخبير السياسي، عن خارطة طريق الرئاسات الثلاث باعتبارها التجسيد العملي لمبدأ الحل الليبي-الليبي، محذراً من أن تعدد المبادرات الدولية قد يؤدي إلى زيادة التنافس على النفوذ ويعرقل الوصول إلى تسوية مستقرة.