
لم يعد الحضور المغربي في نهائيات كأس العالم مجرد حكاية تروى أو مفاجأة عابرة في عناوين الصحف، بل تحول إلى مسار متصل من الإنجازات التي تُكتب بعقلية منظومة لا تؤمن بالصدفة، بل بالعمل المؤسساتي الذي لا ينام على الأمجاد السابقة.
إن التأهل لربع نهائي كأس العالم للمرة الثانية توالياً لم يعد يوصف بالاستثنائي، بل أصبح واقعاً يفرض نفسه؛ فالمغرب الذي كان يبحث في سنوات مضت عن مباراة تاريخية، بات اليوم يبحث عن تاريخ جديد يضاف إلى رصيده، بعد أن ارتفع سقف طموحه ليعانق القمة.
حين ننظر إلى تفاصيل بل وعمق المشهد، ندرك أن ما يحدث اليوم في منصة كبرى هي كأس العالم، ليس مجرد انتصار يحققه فريق أو مجموعة، بل انتصار منظومة كاملة تم تنزيلها وتقعيدها بصبر وأناة، وتبصر وحكمة.
لا ينتصر المنتخب المغربي بفضل جيل ذهبي فحسب، فالذهب يبهت إن لم يجد من يصونه. الانتصار اليوم هو ثمرة شجرة غرستها كرة القدم المغربية منذ سنوات، وسقتها بالاستثمار والعلم والتكوين. من أكاديمية محمد السادس لكرة القدم التي تصنع اللاعب قبل النجم، إلى أندية بدأت تؤمن بالتكوين، وجامعة كروية جعلت الاستقرار مشروعاً لا شعاراً.
لقد ولدت هذه القوة من رحم إستراتيجية انبثقت من رؤية واضحة، حددت معالم الطريق ووفرت وسائل السفر إلى أمكنة كانت محجوزة سابقاً للكبار فقط.
تجاوزت النجاحات المنتخب الأول لتشمل المنظومة بأكملها؛ فمنتخب أقل من 23 سنة اعتلى منصة التتويج الأولمبية بباريس 2024، وأشبال الأطلس فرضوا هيبتهم في القارة والبطولات العالمية. هذا التراكم في النجاحات، وتواجد اللاعب المغربي في أكبر الأندية الأوروبية، جعل من اسم المغرب مرادفاً للتخطيط السليم.
واصلت المنتخبات الوطنية فرض هيبتها قارياً وعربياً، فيما تابع اللاعب المغربي حضوره الوازن داخل أكبر الأندية الأوروبية، وأصبح اسم المغرب مرادفاً للتخطيط السليم والعمل المؤسساتي، لا للمفاجآت العابرة.
في مونديال 2026، دخل المغرب البطولة مسلحاً بثقة الكبار، وأصبح ارتقاؤه إلى المركز السادس عالمياً في تصنيف الاتحاد الدولي (فيفا) حقيقة رقمية تؤكد حضوره بين العمالقة. واليوم، لا يقف أسود الأطلس أمام مواجهة فرنسا في ربع النهائي كخائف من التاريخ، بل كطرف يمتلك الشخصية والقدرة على إعادة كتابته.
إن مواجهة فرنسا اليوم تختلف عن سابقتها، فالمغرب بات أكثر نضجاً وخبرة، ويمتلك منظومة دفاعية صلبة ووسط ميدان يفرض إيقاعه. وعلى الرغم من قوة المنافس، إلا أن هذا الجيل أثبت أن حجم التحدي هو ما يرفع مستوى أدائه.
الفوز على كندا لم يكن نهاية حكاية، كما لم يكن الفوز قبله على هولندا، ولا حتى بلوغ الدور نصف النهائي خلال مونديال قطر قبل أربع سنوات.
السؤال الذي يطرحه العالم اليوم قبل صافرة البداية لم يعد هل يستطيع المغرب مجاراة فرنسا؟، بل لماذا لا يفعلها الأسود هذه المرة؟. فالمغرب حجز مكانه بالفعل بين القوى الكروية الوازنة، وأصبح يعرف جيداً أن استدامة النجاح تتطلب ذكاءً في تحيين منظومة العمل والاستثمار في المكتسبات التي تحققت منذ ملحمة قطر 2022.