
في ظل تصاعد التنافس التجاري العالمي، لم تعد الاتفاقيات الإقليمية بمنأى عن الصراع بين القوى العظمى؛ حيث باتت اتفاقية التجارة الحرة بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك (USMCA) ساحة غير مباشرة لإعادة هندسة سلاسل الإمداد بعيداً عن النفوذ الصيني.
وتشير مراجعة الاتفاقية الثلاثية إلى أن التوتر مع بكين قد تسلل إلى تفاصيل التفاوض، وسط مخاوف واشنطن من إعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية بما يهدد أمنها القومي واقتصادها الصناعي.
أعلنت الولايات المتحدة خلال المراجعة الأولى للاتفاقية رفض تجديدها بصيغتها الحالية، مما دفعها نحو مرحلة مراجعات سنوية حتى عام 2036، وهو ما خالف التوقعات باستقرار تجاري طويل الأمد. وتبرر واشنطن هذا التوجه بالسعي لمعالجة العجز التجاري وإعادة توطين الصناعة، لا سيما في قطاع السيارات، عبر فرض قواعد منشأ أكثر صرامة تقلص الاعتماد على المكونات الخارجية.
ليو دان:
واشنطن تسعى لتحويل العلاقات الاقتصادية بين كندا والصين إلى نقطة خطأ تفاوضية، بهدف فرض قيود أشد على التعاون مع بكين تحت مبررات الأمن القومي
ورغم غياب اسم الصين الصريح في البيانات الرسمية الأمريكية، إلا أن الانتقادات الموجهة لكندا بشأن انفتاحها على الاستثمارات الصينية تؤكد أن بكين حاضرة بقوة في الخطاب السياسي الأمريكي، حيث تُستخدم كعامل ضغط لفرض توافق جيو-سياسي على الشركاء التجاريين.
تتزايد المخاوف الأمريكية من استخدام المكسيك وكندا كـأبواب خلفية لدخول السلع والاستثمارات الصينية إلى السوق الأمريكية عبر الإعفاءات الجمركية. وفي هذا السياق، يرى خبراء أن هذا التوجه يصطدم بواقع اقتصادي معقد؛ إذ تعتمد صناعات أمريكا الشمالية بشكل كبير على مكونات صينية، مما يجعل الفصل الكامل بين الاقتصادين تحدياً لوجستياً وصناعياً صعب التنفيذ.
لا تشير المعطيات إلى أن الصين ستملأ فراغاً مباشراً في حال تعثر الاتفاقية، لكنها قد تستفيد بشكل غير مباشر عبر تعميق استثماراتها الصناعية داخل المكسيك لتتوافق مع قواعد المنشأ الجديدة. وفي المقابل، تدرس دول مثل كندا والمكسيك خيارات تنويع شركائها التجاريين كمنطق اقتصادي طبيعي، وليس كبديل كلي للسوق الأمريكية.
اتفاقية التجارة الحرة (USMCA) قد تتحول تدريجيا إلى ترتيبات ثنائية منفصلة بين الولايات المتحدة وكل من كندا والمكسيك، مما قد يفتح المجال أمام أطراف أخرى ومنها الصين
ختاماً، يظل العامل الصيني في أزمة USMCA أداة ضغط ضمن صراع أوسع على سلاسل الإمداد. فبينما تسعى واشنطن لإعادة صياغة التجارة وفق أولويات داخلية، تحاول كندا والمكسيك الحفاظ على التوازن، مما قد يعزز تدريجياً تعدد الأقطاب في النظام التجاري العالمي.