
في عالم كرة القدم، لا تُعد الدقائق الأخيرة مجرد امتداد زمني للمباراة، بل هي ساحة لاختبار القدرة الذهنية والتحكم في الضغوط. شهدت مباريات المونديال الأخيرة سقوطاً درامياً لمنتخبات كانت قاب قوسين أو أدنى من تحقيق إنجازات تاريخية، حيث تبخرت أحلام السنغال أمام بلجيكا، وتكرر السيناريو ذاته للكونغو الديمقراطية أمام إنجلترا، مما يطرح تساؤلات حول ما يحدث داخل عقول اللاعبين حين يقترب حلم الفوز.
تشير دراسة علمية حديثة حللت أكثر من 3400 مباراة، إلى أن الأهداف لا تتوزع بالتساوي على مدار زمن اللقاء. فمع اقتراب الصافرة، تزداد احتمالية تسجيل الأهداف نتيجة تغير الديناميكيات الاندفاعية؛ حيث يميل الفريق الذي يستقبل هدفاً متأخراً إلى الانهيار الذهني، بينما يكتسب الخصم زخماً نفسياً يدفعه للمزيد من الجرأة.
يوضح علم النفس الرياضي أن تسجيل هدف متأخر يخلق زخماً يغير إدراك اللاعبين لمسار المباراة. فاللاعبون الذين يستقبلون هدفاً في الدقائق الأخيرة يعانون من انخفاض حاد في الثقة، مما يدفعهم من عقلية الاقتراب (البحث عن الفوز) إلى عقلية التجنب (الخوف من الخسارة). هذا التحول يجعل اللاعب يركز بشكل مفرط على حركاته، وهو ما يعرف بـ الاختناق تحت الضغط، مما يؤدي إلى ارتكاب أخطاء فنية غير معتادة.
لا يدخل اللاعبون المباريات الحاسمة بذاكرة بيضاء؛ فالهزائم السابقة وتجارب الفشل المتكررة تشكل عبئاً ذهنياً. وعندما يواجه الفريق الموقف ذاته، قد يرى الرياضي في لحظات التوتر عودة لمشهد قديم، مما يعزز لديه العجز المكتسب. ولتجاوز هذه المعضلة، تلجأ الفرق الكبرى إلى التدريب على سيناريوهات الأزمات، وتطوير روتينات ثابتة للتعامل مع استقبال الأهداف المتأخرة، لضمان بقاء اللاعبين في حالة تركيز آلي بعيداً عن التشتت الذهني.