
لم تعد الأزمة الليبية مجرد ملف محلي لإنهاء الانقسام السياسي أو التحضير للانتخابات، بل تحولت إلى ساحة محورية في معادلة إعادة تشكيل موازين القوى في شمال أفريقيا ومنطقة الساحل والبحر المتوسط، في ظل تصاعد حدة التنافس الأميركي الروسي على النفوذ العسكري وتأمين خطوط الطاقة ومكافحة الإرهاب.
تكتسب الزيارة الحالية لوكيل وزارة الدفاع بحكومة الوحدة الوطنية، عبدالسلام الزوبي، إلى واشنطن أهمية استراتيجية، لا سيما مع أنباء عن ترتيبات للقاء مباشر يجمعه بصدام حفتر، نائب القائد العام للقوات المسلحة. ويرى مراقبون أن هذه الخطوة تأتي ضمن مسار أميركي يهدف لتقريب مراكز القوى العسكرية والسياسية، وتجاوز المسارات التقليدية لتهيئة أرضية لتفاهمات أوسع.
وتسعى واشنطن، عبر القيادة العسكرية في أفريقيا أفريكوم ومبادرة مسعد بولس، إلى دمج المسارين الأمني والسياسي في رؤية متكاملة، تهدف إلى إعادة هيكلة المؤسسات وتوحيد الأجهزة العسكرية، قناعةً منها بأن استمرار الانقسام يمنح روسيا فرصة لتعزيز وجودها العسكري في جنوب المتوسط.
في المقابل، تتحرك موسكو بوتيرة متسارعة للحفاظ على مكتسباتها، بعد أن نجحت في ترسيخ نفوذها عبر الفيلق الأفريقي وشبكة علاقات واسعة. وقد تجلى ذلك في سلسلة لقاءات مكثفة أجراها السفير الروسي مع فاعلين سياسيين في مصراتة، ومباحثات رفيعة المستوى بين وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ومسؤولين في طرابلس، في محاولة لتوسيع القنوات الدبلوماسية الروسية خارج نطاقها التقليدي في شرق ليبيا.
ترى الباحثة في العلاقات الدولية، لانا بدفان، أن روسيا تنظر للمبادرات الأميركية كتهديد مباشر لنفوذها، وردت عليها باستراتيجية مزدوجة تجمع بين الانفتاح الدبلوماسي على غرب ليبيا وتعزيز الحضور العسكري، واصفةً الوضع الراهن بـالتوازن الهش.
من جانبها، توضح المحللة السياسية الأميركية إيرينا تسوكرمان أن موسكو تسعى لضمان عدم انفراد واشنطن بقيادة المرحلة المقبلة، مؤكدة أن التحركات الروسية تهدف لحماية ما راكمته من نفوذ لكسب الوقت والتأثير في أي تسوية قادمة.
من جهته، يرى الباحث الليبي إدريس احميد أن الولايات المتحدة تتحرك بفعالية أكبر في المرحلة الحالية، مستفيدة من انشغال روسيا بالحرب في أوكرانيا. وأشار احميد إلى أن المبادرة الأميركية بدأت تأخذ طابعاً تنفيذياً ملموساً عبر ملفات توحيد الميزانية والمؤسسة العسكرية، لافتاً إلى أن استقرار ليبيا أصبح ركيزة أساسية للأمن الإقليمي في ظل تنامي التهديدات الإرهابية في منطقة الساحل.