
في ظل وتيرة الحياة المتسارعة، وتزايد الوعي الغذائي، برزت ظاهرة مقلقة تعكس انقلاباً في مفاهيم الصحة العامة؛ حيث تحول الخوف من المرض إلى خوف من الطعام ذاته. يُعرف هذا الاضطراب بـ هوس الأكل الصحي (Orthorexia nervosa)، وهو حالة تتجاوز مجرد الرغبة في التغذية السليمة لتصبح قيداً نفسياً وسلوكياً يهدد التوازن الصحي والاجتماعي للفرد.
ظهر مصطلح اضطراب الأكل الصحي لأول مرة على يد الطبيب الأمريكي ستيفن براتمان عام 1997. ورغم عدم إدراجه رسمياً حتى الآن ضمن معايير التشخيص النفسي المعتمدة، إلا أن الأوساط الطبية تحذر من انحراف البوصلة؛ حيث يتحول السعي وراء الصحة المثالية إلى هوس بالنحافة، واتباع حميات قاسية، وممارسة قسرية للتمارين الرياضية، ما يؤدي في نهاية المطاف إلى سوء التغذية، وتفاقم مشاعر التوتر والاكتئاب، وتراجع الأداء الوظيفي والاجتماعي.
تشير الدراسات الحديثة إلى تفاوت كبير في معدلات الإصابة بهذا الاضطراب حول العالم. فقد أظهرت مراجعات بحثية أن نسبة انتشار الأكل الصحي القسري بين عموم السكان قد تصل إلى مستويات مرتفعة في بعض الفئات، خاصة بين طلاب الطب والتغذية، حيث سجلت إحدى الدراسات في تركيا نسبة إصابة بلغت 76.2%. وفي الدول العربية، تراوحت نسب الأشخاص المعرضين لاضطرابات الأكل عموماً بين 23.8% و34.8%، مما يعكس تحدياً صحياً متنامياً يتطلب تدخلاً توعوياً.
تلعب منصات التواصل الاجتماعي دوراً محورياً في تفاقم هذه الأزمة، حيث تروج لصور ذهنية مثالية غير واقعية للجسد. وقد أثبتت الدراسات أن الإفراط في متابعة محتوى الحميات والرشاقة يرتبط طردياً بزيادة أعراض اضطراب الأكل الصحي. من جهة أخرى، تشير الأبحاث إلى أن المعرفة التغذوية المكثفة، دون توازن فكري، قد تجعل المتخصصين في التغذية والأطباء أكثر عرضة لهذا الاضطراب بسبب الضغوط الاجتماعية التي تفرض عليهم الظهور بمظهر مثالي.
ختاماً، يؤكد الخبراء أن تعزيز الصورة الذهنية الإيجابية للجسم، وتبني التفكير النقدي تجاه ما يُنشر عبر المنصات الرقمية، يمثلان خط الدفاع الأول للوقاية من تحول الاهتمام بالصحة إلى فخ نفسي يضر أكثر مما ينفع.