
نادراً ما تلتفت الجماهير إلى أرضية الملعب، ولا يلاحظ الجمهور العشب إلا عند تعثر لاعب بشكل غريب أو تغير مسار الكرة فجأة. لكن في مونديال 2026، تحولت أرضية الملاعب إلى مشروع هندسي وزراعي ضخم، يتجاوز كونه مجرد بساط أخضر، ليصبح جزءاً حيوياً من منظومة تقنية متكاملة تضمن عدالة المنافسة.
تشير التقارير التقنية إلى أن عشب الملاعب في البطولة ليس مجرد نبات طبيعي، بل هو كائن حي ينمو فوق بنية هندسية دقيقة تتكون من طبقات جذرية رملية، وأخرى خشنة لتسريع التصريف، بالإضافة إلى شبكات متطورة للتهوية والتدفئة.
تختلف تركيبة العشب بحسب مناخ المدينة المستضيفة؛ فالملاعب الأبرد تعتمد على مزيج من الراي غراس وكنتاكي بلوغراس لقدرتهما على التعافي والترميم، بينما تُستخدم أنواع مثل البرمودا غراس في المناطق الحارة لقدرتها على تحمل الجفاف والحرارة العالية. الهدف هنا ليس توحيد نوع النبات، بل توحيد إحساس اللعب للاعبين في مختلف الملاعب.
إن فشل سطح اللعب قد يغير نتيجة المباراة بالكامل؛ إذ يرتبط العشب بما يعرف بـ(Footing) أو ثبات القدم أثناء الانزلاقات والالتحامات، وسرعة ارتداد الكرة. ولهذا السبب، تُستخدم تقنيات حديثة لتعزيز متانة الأرضية:
تعتمد الملاعب الكبرى تقنية خياطة العشب، حيث تُغرس ألياف صناعية عمودياً لتلتف حولها الجذور، مما يمنع اقتلاع أجزاء من الأرضية أثناء الدورانات العنيفة أو الالتحامات القوية، ويمنح الملعب قدرة على الصمود أمام ضغط المباريات المتتالية.
يواجه منظمو مونديال 2026 تحدياً خاصاً في الملاعب التي صُممت أساساً لكرة القدم الأمريكية أو للحفلات، حيث كانت تعتمد على العشب الصناعي أو أسقف مغلقة تعيق نمو العشب الطبيعي. ولحل هذه المعضلة، تم إنشاء بنى تحتية جديدة فوق الأرضيات الأصلية، تتضمن أنظمة تصريف وتهوية متطورة وطبقات رملية عميقة لضمان استدامة العشب الطبيعي.
لا تتوقف الصيانة عند الزراعة، بل تمتد إلى إدارة إيقاع المباراة. فكمية المياه المستخدمة في الري وطول العشب (الذي يُقص عادة بين 20 و30 مليمتراً) يتحكمان في سرعة التمريرات. السطح الرطب يجعل الكرة تنزلق بسرعة أكبر، بينما يزيد السطح الجاف من ثقل الحركة. لذا، أصبح الري بين الشوطين إجراءً تكتيكياً مدروساً وليس مجرد عملية روتينية.
في نهاية المطاف، يبقى العشب البطل الخفي الذي لا يلاحظه أحد طالما أدى عمله كما يجب، ليجعل كرة القدم انسيابية وعادلة وممتعة كما ينتظرها العالم.