
في مفارقة اقتصادية حادة، تواجه ليبيا -التي تتربع على احتياطيات نفطية ضخمة- أزمة استنزاف مالي متصاعدة نتيجة استيراد الوقود بمليارات الدولارات لتغطية احتياجات السوق المحلية، وسط شكوك متزايدة حول كفاءة منظومة الدعم التي أصبحت ثغرة كبرى لعمليات تهريب منظمة.
وقد أعاد تقرير حديث لمجموعة الأزمات الدولية في يونيو 2025 تسليط الضوء على هذه الأزمة، كاشفاً عن فجوة واسعة بين كميات الوقود المستوردة وحجم الاستهلاك الفعلي، مما يرجح تسرب أجزاء كبيرة من هذه الموارد إلى شبكات تهريب عابرة للحدود.
تعتمد ليبيا نظام دعم حكومي يجعل أسعار الوقود هي الأرخص عالمياً، مما يخلق حافزاً مالياً هائلاً للمهربين للاستفادة من فارق السعر الكبير بين ليبيا ودول الجوار. وقد تطورت هذه العمليات من أنشطة فردية إلى شبكات منظمة تستغل الحدود البرية الممتدة والسواحل الطويلة.
تشير مراجعة ديوان المحاسبة إلى اختلالات هيكلية عميقة في إدارة ملف المحروقات، حيث أدى غياب التنسيق بين الجهات المعنية إلى تقديرات غير دقيقة للاحتياجات، واعتماد نظام مبادلة النفط الخام بالمشتقات بعيداً عن الموازنة العامة، مما أدى إلى تشويه البيانات المالية للدولة بنسبة تتراوح بين 30 و35%.
وتشمل مؤشرات الهدر المالي ما يلي:
يؤكد المحلل الاقتصادي عبد الكريم الجديدي أن طول الحدود الليبية (أكثر من 4300 كم) مع ضعف الرقابة والطلب المرتفع في دول الجوار، خلق بيئة مثالية للمهربين. هذا الاستنزاف لا يقتصر على قطاع الطاقة، بل يمتد لتقليص المخصصات المالية الموجهة لقطاعات الصحة والتعليم والبنية التحتية، مما يضاعف الضغوط على الميزانية العامة.
من جانبها، أقرت شركة البريقة لتسويق النفط بأن عمليات التهريب تفرض ضغوطاً إضافية على منظومة الإمداد. وأوضح المتحدث باسم الشركة، أحمد المسلاتي، أن الشركة بدأت في تنفيذ إجراءات فنية ورقابية لتعزيز مطابقة الكميات الموزعة، مؤكداً في الوقت ذاته أن الحل الجذري يتطلب تكاتفاً وطنياً بين المؤسسات النفطية والأجهزة الأمنية والرقابية.
يرى خبراء أن الحل يكمن في الانتقال التدريجي من الدعم الشامل إلى الدعم المباشر لمستحقيه، مع تطبيق أنظمة إلكترونية متطورة مثل بطاقات الوقود لضبط الاستهلاك، وتعزيز التتبع الرقمي لحركة الشحنات، لضمان عدم تبخر مليارات الدولارات خارج الحدود.