
لم تعد معركة الذكاء الاصطناعي العالمية محصورة في مختبرات تطوير النماذج الأكثر ذكاءً أو قوة، بل تحولت إلى صراع جيوسياسي محتدم حول الهيمنة على الانتشار. وفي هذا السياق، تواجه الإدارة الأميركية تحديات بنيوية تعيق مساعيها لتصدير تقنياتها إلى العالم، أمام تمدد صيني ذكي يعتمد على استراتيجيات اقتصادية وتقنية تثير قلق واشنطن.
تشير تقارير وتحليلات إلى وجود فجوة في الاستراتيجية الأميركية، تتلخص في تحديين رئيسيين: الأول هو حالة اللايقين الناجمة عن سياسات ضوابط التصدير المتقلبة التي تفرضها واشنطن، مما يعيق استقرار الشركات التقنية الأميركية. أما التحدي الثاني، فهو عدم قدرة الولايات المتحدة على مجاراة الجهود الصينية في نشر نماذج الذكاء الاصطناعي مفتوحة المصدر عالمياً، والتي تُستخدم بالفعل على نطاق واسع داخل الصين في قطاعات التصنيع والرعاية الصحية.
تصف إميلي واينستين، الباحثة في لجنة المراجعة الاقتصادية والأمنية الأميركية الصينية، التحرك الصيني بأنه استنساخ لنموذج هواوي في قطاع الاتصالات. فالصين لا تكتفي بتقديم نماذج برمجية، بل توفر البنية التحتية المرتبطة بها بأسعار زهيدة أو مجانية، مما يسهل اختراقها للأسواق الناشئة ودول الجنوب العالمي.
وتحذر واينستين من أن هذا الانتشار قد يخلق نسخة معززة من نموذج هواوي، حيث تصبح الدول النامية معتمدة كلياً على بنية تحتية صينية غير متوافقة مع الأنظمة والبروتوكولات الأميركية.
يؤكد خبراء، من بينهم دانيال ريملر وسيف خان -المستشارون السابقون في الحكومة الأميركية- أن القيود المفروضة على تصدير نماذج متقدمة مثل Anthropic أدت إلى حالة من التجميد داخل القطاع. وفي ظل هذا التردد، تتزايد الدعوات العالمية لتحقيق السيادة في الذكاء الاصطناعي، وهو ما يدفع العديد من الدول للميل نحو تبني النماذج الصينية المفتوحة كبديل أكثر مرونة وتكلفة من النماذج الأميركية المقيدة.
في محاولة لاستعادة زمام المبادرة، وسعت وزارة الخارجية الأميركية مبادرة باكس سيليكا، التي تهدف إلى تشكيل تكتل دولي يضم 35 دولة لتعزيز التعاون في مجالي الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات، والحد من الاعتماد على التكنولوجيا الصينية.
وفي هذا الصدد، انتقد جاكوب هيلبرغ، وكيل وزارة الخارجية الأميركية للشؤون الاقتصادية، مفهوم السيادة الرقمية الذي تتبناه دول أخرى، معتبراً أن بناء بنية تحتية وطنية مستقلة هو توجه متخلف وغير منتج يؤدي إلى ما أسماه بـالرداءة المتزامنة.
تؤكد التطورات الراهنة أن المعركة لم تعد تدور حول الابتكار التقني فحسب، بل حول كسب المستخدمين والأسواق. وبينما تراهن الصين على استراتيجية الانتشار الواسع والتكلفة المنخفضة، تحاول الولايات المتحدة حماية تفوقها عبر التحالفات الدولية والقيود التنظيمية، في سباق سيحدد ملامح البنية التحتية الرقمية للعالم في العقود المقبلة.