
في بلدة حمانا الجبلية، لا يُقاس الصيف بارتفاع درجات الحرارة بقدر ما يُقاس بتلك اللحظة الحمراء التي تتدلى فيها ثمار الكرز بين التلال. هناك، لا تبدو الفاكهة مجرد محصول زراعي، بل هي علامة على حياة كاملة تتقاطع فيها الأرض بالانتظار، والعمل بالرزق، والقرية بإيقاعها الهادئ الذي لا يوقظه إلا هذا الموسم القصير.
مع انطلاق مهرجان الكرز، تتحول أزقة البلدة التي اعتادت الصمت إلى مساحات مفتوحة للزوار، وتنبسط الساحات كسوق زراعي يكشف في عمقه عن اقتصاد ريفي هش، ينشط لأسابيع قليلة قبل أن يعود إلى سكونه الطويل.

يقف المزارع ناجي أبو الشلش في قلب هذا المشهد، كمن يربط بين زمنين: زمن البساتين الذي يبدأ قبل الفجر، وزمن المهرجان الذي يتوهج تحت شمس الصيف. يراقب ناجي الحركة حوله، وهي بالنسبة إليه خلاصة موسم كامل من القلق والعمل المتواصل.
في حمانا، لا يتجاوز عدد المزارعين الذين يعتمدون على الكرز كمصدر دخل أساسي عشرة مزارعين، بإنتاج سنوي يقارب ثلاثين طناً. يوضح ناجي أن هذا العام شهد وفرة في الإنتاج، لكنه واجه تحديات مناخية؛ فزيادة مياه الأمطار في الجذور أدت إلى صغر حجم الثمار مقارنة بالمواسم السابقة التي تميزت بالجودة رغم قلة الغزارة.
تتجاوز أهمية الكرز في حمانا البعد المادي لتصل إلى الذاكرة الجماعية. تقول ستيفاني رزق إن المهرجان يمثل جزءاً من هوية البلدة الثقافية والسياحية، مشيرة إلى أن الفعاليات التي ترافق الموسم تعيد تقديم الكرز كرمز يرتبط بذاكرة الأجيال.

من الناحية الاقتصادية، تراوحت أسعار الكيلوغرام الواحد هذا العام بين 2 و4 دولارات، وهو ما يعكس كلفة الإنتاج العالية وحساسية المحصول الذي يتطلب عناية دقيقة. ويؤكد المزارعون أن المهرجان يمثل نافذة حيوية للبيع في ظل تراجع فرص التصدير وصعوبة الوصول إلى الأسواق الخارجية.
تتنوع المنتجات المعروضة في المهرجان لتشمل ابتكارات مثل تشيري ليموناد وتارت الكرز، في محاولة لتحويل الثمرة إلى قيمة مضافة. ومع ذلك، تشير تقارير منظمة العمل الدولية إلى أن قطاع الكرز في لبنان يعتمد على عمالة موسمية كثيفة، مما يجعله عرضة لتقلبات الطبيعة والسوق بشكل مستمر.

تظل الشجرة في حمانا رهاناً اقتصادياً؛ فنجاح الموسم قد يؤمّن مصروف عام كامل، بينما تعني الخسارة ديوناً مؤجلة. ومع انتهاء المهرجان، يطوي المزارعون طاولاتهم، لكنهم يبقون معلقين بموسم جديد، ينتظرون عودة الكرز بوصفه اختباراً متجدداً لعلاقة البلدة بأرضها.