
خلف الأبواب المغلقة وفي أماكن تحولت إلى مسارح للمعاناة، تتكشف قصص سودانيين خرجوا من معتقلات الحرب بأجساد مثقلة بالجراح وذكريات قاسية تعجز الكلمات عن وصفها. ناجون حملوا معهم شهادات حية عن أيام من الخوف والتعذيب، فيما غيب الموت آخرين خلف تلك الجدران.
يعد فيصل نموذجاً حياً لهذه المأساة، حيث لم يعد قادراً على رواية تفاصيل ما حدث له بصوته. لقد تركت التجربة آثاراً غائرة على جسده وحياته، بعد أن فقد القدرة على الكلام والتنفس والبلع بشكل طبيعي، فضلاً عن فقدانه لمنزله وعمله جراء الحرب.
ولأن صوته خذله، اختار فيصل تدوين شهادته بالقلم، مؤكداً أن ما تعرض له داخل معتقلات قوات الدعم السريع غيّر مسار حياته إلى الأبد. لم يكن فيصل حالة منفردة؛ فقد تقاسم زنزانته مع آلاف المحتجزين الذين عاشوا ظروفاً لا إنسانية خلال عام كامل، خرج بعضهم بأجساد هزيلة أنهكها التعذيب، بينما لم يتمكن آخرون من مغادرة تلك الأماكن أحياء.
ومن بين الناجين آدم، الذي وجد نفسه ملقى بين الجثث بعد أن ظن جلادوه أنه فارق الحياة. يروي آدم أنه كان عاجزاً تماماً عن الحركة عندما عثر عليه أحد الأشخاص، بعد تعرضه لإصابات بالغة. ويضيف أن أحد المارة فر خوفاً من حالته الصادمة، قبل أن يبادر آخرون بمد يد العون ونقله إلى المستشفى لإنقاذ حياته.
على الرغم من غياب الأرقام النهائية لضحايا التعذيب في السودان، تشير تقارير دولية إلى وجود مواقع احتجاز ومقابر جماعية، من بينها موقع في شمال الخرطوم، شهد احتجاز مئات الأشخاص الذين تعرضوا للتعذيب والتجويع.
من جانبها، أعلنت جهات حكومية سودانية عن توثيق آلاف حالات الاحتجاز والإخفاء القسري، إلى جانب حالات عنف جنسي موثقة خلال فترة الحرب.
وفي اليوم العالمي لمساندة ضحايا التعذيب، تظل جدران تلك المعتقلات شاهدة على مآسي من مروا بها، بينما يتمسك الناجون بأمل أن تتحول شهاداتهم من قصص ألم إلى مسار قانوني نحو المساءلة والعدالة، بعد أن دفعتهم الحرب لمواجهة واحدة من أقسى التجارب الإنسانية في العصر الحديث.