
في مشهد يعكس تحولات عميقة، لم تعد كرة القدم بالنسبة للمغاربة مجرد لعبة، بل تحولت إلى وعاءٍ لصهر الهوية الوطنية وتجسيد الانتماء، خاصة لدى أجيال المهاجرين الذين وجدوا في أسود الأطلس بوصلةً تعيد ربطهم بجذورهم الأم، متجاوزين بها صراعات الاندماج ومعضلات الازدواجية الثقافية.
عاشت الجاليات المغربية في أوروبا، لا سيما في فرنسا، اختباراً حقيقياً للهوية خلال مواجهة المغرب وفرنسا في مونديال قطر 2022. لقد كان هذا الحدث الرياضي بمثابة لحظة كاشفة، حيث وجد الكثيرون أنفسهم أمام معضلة الهوية، بين بلد المولد والنشأة وبلد الجذور.
لا أعرف كيف سأعيش تلك اللحظات بين فرنسا والمغرب، إذ سيكون ذلك كما لو أن والدي يتنافس ضد والدتي. الأمر مستحيل، إنها معضلة شديدة التعقيد
(جمال الدبوز)
لقد أثارت مواقف بعض المشاهير، مثل جمال الدبوز، جدلاً واسعاً حول إمكانية الجمع بين هويتين، في ظل تاريخ استعماري معقد. ومع ذلك، تشير تقارير إلى أن الإنجازات الرياضية منحت المهاجرين فرصة لإعلان هويتهم العربية المغربية، كرد فعل على سنوات من محاولات الذوبان المتعثرة في المجتمعات الغربية.
لم يعد المنتخب المغربي يعتمد على اللاعبين المحليين فحسب، بل أصبح اللاعبون المولودون في أوروبا جزءاً جوهرياً من المشروع الكروي الوطني. مدرب المنتخب وليد الركراكي نفسه، هو نتاج لهذه التجربة المزدوجة، حيث ولد ونشأ في فرنسا، مما يعزز مفهوم المواطنة المتعددة.
تبنى المغرب الرياضة كأداة رئيسية في قوته الناعمة، حيث عملت الدولة على تحويل الإنجازات الكروية إلى مناسبات وطنية تعزز مكانة المملكة دولياً. إن النجاح في تنظيم تظاهرات قارية ودولية، والوصول إلى مراحل متقدمة في المونديال، لم يكن وليد الصدفة، بل ثمرة إستراتيجية ملكية واضحة تهدف إلى وضع المغرب في مصاف الدول المؤثرة.
إبراهيم دياز مغربي قح
(فوزي لقجع - رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم)
إن هذا الظمأ للأصول الذي يظهره الجيل الثاني والثالث من المهاجرين، يجد في كرة القدم متنفساً طبيعياً. فالمغرب اليوم، بفضل هذه الإنجازات، بات يعرف نفسه في الداخل والخارج بأنه البلد الذي نجح رياضياً، محولاً هذه النجاحات إلى جسر متين يربط المغاربة في كل مكان بوطنهم الأم، استعداداً لاستحقاقات كبرى قادمة مثل مونديال 2030.