
بعد مرور عشر سنوات على استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي، لم يعد السؤال مقتصراً على تكلفة بريكست على بريطانيا فحسب، بل امتد ليشمل حصيلة التجربة بالنسبة للاتحاد الأوروبي نفسه؛ هل خسر التكتل شريكاً لا يمكن تعويضه، أم نجح في إعادة هيكلة ثقله الاقتصادي داخل القارة؟
تكشف المعطيات أن الإجابة ليست حاسمة، فالاتحاد الأوروبي لم يخرج رابحاً صافياً، لكنه استوعب الصدمة وأعاد توزيع جزء من أنشطته المالية والاستثمارية نحو مدن مثل باريس وفرانكفورت وأمستردام ودبلن ولوكسمبورغ، متجنباً صدمة اقتصادية كارثية كتلك التي أصابت المملكة المتحدة.
تشير بيانات مجلس العموم البريطاني إلى أن الاتحاد الأوروبي ظل في عام 2025 الشريك التجاري الأهم للمملكة المتحدة، حيث استحوذ على 41% من صادراتها و50% من وارداتها. ومع ذلك، يعكس التباين بين السلع والخدمات جوهر أثر بريكست؛ إذ لم تتوقف التجارة، لكنها أصبحت أكثر كلفة وتعقيداً.
كانت الخدمات المالية المجال الأكثر تأثراً؛ فبعد فقدان حق العمل التلقائي داخل الاتحاد، نقلت المؤسسات المالية البريطانية نحو 40 ألف وظيفة إلى مراكز أوروبية بديلة. ويرى خبراء أن ما حدث لم يكن ولادة لندن جديدة داخل أوروبا، بل تشرذم للمراكز المالية التي توزعت أنشطتها بين عدة عواصم أوروبية.
في ملف الاستثمار، تراجع عدد مشاريع الاستثمار الأجنبي الجديدة في أوروبا ككل بنسبة 7% خلال عام 2025، لتسجل أدنى مستوى لها منذ 11 عاماً. ورغم أن بعض الاستثمارات التي كانت تتجه لبريطانيا كبوابة لأوروبا تحولت مباشرة إلى دول الاتحاد، إلا أن هذا التحسن يظل تدريجياً ومحدوداً.
على صعيد سوق العمل، أنهى بريكست حرية الحركة، حيث تشير تقديرات جامعة أكسفورد إلى أنه منذ عام 2022 بات عدد مواطني الاتحاد الأوروبي المغادرين للمملكة المتحدة يفوق عدد القادمين إليها. وبلغ صافي هجرة الأوروبيين (سالب 70 ألف) شخص خلال العام المنتهي في يونيو/حزيران 2025، في حين سعت بريطانيا لتعويض هذا النقص عبر استقطاب عمالة من خارج الاتحاد في قطاعات حيوية كالصحة والتعليم.