
تواجه كولومبيا مرحلة مفصلية في تاريخها السياسي، حيث يرى مراقبون أن الانتخابات الرئاسية الأخيرة لم تكن مجرد تبادل للسلطة بين اليسار واليمين، بل تمثل قفزة نحو مرحلة جديدة من عدم اليقين السياسي والاجتماعي.
يرى الخبير في شؤون أمريكا اللاتينية، مايكل شيفتر، أن صعود المحامي ورجل الأعمال المحافظ أبيلاردو دي لا إسبرييا، المدعوم من الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، يعكس حالة من التمرد الشعبي ضد المؤسسات التقليدية. لم يعد الناخب الكولومبي يبحث عن هوية أيديولوجية، بقدر ما يبحث عن حلول ملموسة للأزمات الأمنية والاقتصادية التي أنهكت البلاد، مما دفع قطاعات واسعة للقبول بخطابات ذات نزعات سلطوية توعدت بحلول سريعة.
شهدت إدارة الرئيس المنتهية ولايته غوستافو بيترو تراجعاً في كفاءة الجهاز الإداري، وتفاقمت الأزمات في القطاع الصحي والملفات المالية. ويشير شيفتر إلى أن أكبر إخفاقات بيترو تمثلت في الملف الأمني، حيث سادت قناعة لدى الشارع الكولومبي بأن الحكومة فقدت سيطرتها على مفاصل الدولة، مما مهد الطريق لبروز بديل يعد بـ قبضة حديدية.
اعتمد دي لا إسبرييا في حملته على استلهام نموذج الرئيس السلفادوري نجيب بوكيلي، مركزاً على التوسع في صلاحيات الجيش والشرطة والاعتقالات الجماعية. ومع الدعم المتوقع من دونالد ترمب، من المرجح أن تشهد العلاقات بين واشنطن وبوغوتا تقارباً أمنياً وعسكرياً غير مسبوق، وهو ما يثير قلق القوى اليسارية في المنطقة.
رغم التوقعات القاتمة، يرى شيفتر أن المؤسسات الكولومبية -من كونغرس وقضاء وإعلام- أثبتت قدرة على الصمود خلال عهد بيترو. وسيواجه دي لا إسبرييا تحدي غياب الأغلبية البرلمانية، مما يفرض عليه واقعاً تفاوضياً قد يحد من جموحه السياسي. في نهاية المطاف، يبقى السؤال المعلق: هل ستتمكن الديمقراطية الكولومبية من احتواء موجة الغضب الشعبي دون التضحية بسيادة القانون؟