
لم تكن تحذيرات الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان من أن أي مواقف تؤدي إلى الانقسام الداخلي ستصب في مصلحة العدو مجرد خطاب عابر، بل جاءت في توقيت سياسي دقيق، تحول فيه ملف التفاهم مع الولايات المتحدة من مجرد مسار دبلوماسي خارجي إلى ساحة سجال حادة داخل أروقة الحكم في طهران.
وفي رسالة تحمل دلالات سياسية عميقة، ربط بزشكيان بين الخلافات الداخلية وبين ما وصفه بمصلحة العدو، مشيراً صراحةً إلى أن أي خطاب يثير التفرقة يخدم أجندات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية. وأكد الرئيس الإيراني أنه يفضل الصمت في هذه المرحلة على الرد على بعض الانتقادات، إيماناً منه بأن الوحدة الوطنية تتصدر الأولويات.
تثير التحذيرات الرئاسية تساؤلات حول طبيعة الانقسام الراهن، الذي يتمحور حول ثلاثة أسئلة مفصلية: من يملك الصلاحية النهائية لتفسير موقف المرشد؟ ما هي حدود التفويض الممنوح للفريق المفاوض؟ وهل التفاهمات الحالية تحفظ أوراق القوة الإيرانية أم تفرغها من مضمونها؟
بينما يرى بزشكيان في المفاوضات فرصة لفتح الأسواق وتخفيف الضغط المعيشي، يرى معارضوه أن هذا المسار قد يقيد قدرات إيران الاستراتيجية في ملفات حساسة مثل مضيق هرمز والملف اللبناني.
أدى غموض رسالة المرشد بشأن التفاهم الإيراني-الأمريكي إلى انقسام في التفسير؛ ففي حين يعتبر المؤيدون أن الإذن الصادر من أعلى مستوى يمثل غطاءً سياسياً كاملاً، يتمسك المنتقدون بعبارة كان لي رأي آخر في نص الرسالة، معتبرين أنها دليل على تحفظ القيادة وشرطية التفويض.
وقد حاول بزشكيان حسم الجدل بالتأكيد على أن التفاهم جاء نتيجة عمل جماعي داخل المجلس الأعلى للأمن القومي، داعياً إلى تجنب وضع العقبات أمام مسار الدولة.
تجاوز السجال الغرف المغلقة، حيث برز نواب في البرلمان الإيراني مثل محمود نبويان وأمير حسين ثابتي بانتقادات لاذعة، واصفين التفاهم بـ الخسارة المحضة ومحذرين من تكرار تجربة الاتفاق النووي لعام 2015. وفي المقابل، دافع رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف عن الفريق المفاوض، معتبراً أن التحرك الدبلوماسي كان ضرورة لوقف نزيف إقليمي.
يكشف المشهد الراهن عن تصدع داخل المعسكر الأصولي نفسه؛ حيث يبرز تيار أصولي براغماتي يمثله قاليباف، في مواجهة تيار متشدد يدور في فلك سعيد جليلي. هذا الانقسام يعيد تشكيل خارطة التحالفات في إيران، حيث لم يعد الصراع محصوراً في الثنائية التقليدية بين الإصلاحيين والأصوليين.
ختاماً، يبدو أن تحذيرات بزشكيان تهدف إلى تحصين الموقف الإيراني من الداخل، مدركاً أن أي انقسام علني في هذه المرحلة الحساسة قد يُفسر من قِبل الطرف المقابل كإشارة ضعف، مما يقلص هامش المناورة الإيرانية على طاولة المفاوضات.