
صنعاء - على مدار عام ونصف، تحول الشاب القعقاع عنتر مقبل ناصر العبسي، الملقب بـ سبايدرمان اليمن، إلى أيقونة للمغامرة في مدينة دمت، متخذاً من فوهة بركان خامد مسرحاً لأداء حركات بهلوانية خطرة، وكتابة أسماء الزوار في قاع الفوهة مقابل مبالغ زهيدة كانت طوق النجاة الوحيد لأسرته.
لكن هذه الشجاعة الاستثنائية انتهت بنهاية مأساوية؛ فبينما كان القعقاع (17 عاماً) يهم بالخروج من قاع الفوهة، تلقفته الهاوية ليتحول مصدر رزقه إلى مدفنه الأخير، مخلفاً وراءه حزناً ثقيلاً في حارة البكيلي بمحافظة الضالع.
يسترجع والده، عنتر مقبل العبسي (50 عاماً)، محاولاته المستميتة لإنقاذ ابنه من هذا المصير، قائلاً: والله إني حاولت معه حتى تعبت، ضربته وسجنته في البيت لمنعه من الصعود، لكن إصرار الفقر كان أقوى من خوفي عليه.
أما أصيل مجاهد مقبل، ابن عم الراحل، فيكشف الجانب الخفي من معاناتهم: كان القعقاع يعيل أسرة مكونة من 7 أفراد، وكان يسلم كل قرش يجنيه لأمه. حاولنا بكل الوسائل ردعه، حتى أن أخاه الكبير أطلق النار في الهواء لإخافته، لكنه كان يرد دائماً: إذا تركتها من سيصرف على أسرتي؟ هل أموت من الجوع؟.
كشف عبده محمد القانص، غواص الدفاع المدني بالضالع، أن انتشال الجثة كان عملية معقدة؛ حيث تنحدر تضاريس الحرضة بزاوية 90 درجة وصولاً إلى عمق 31 متراً. وأشار إلى أن تراكم المخلفات وارتفاع حرارة المياه شكلا عائقاً إضافياً، لولا وجود شباك حديدية قديمة حالت دون استقرار الجثة في قاع أكثر عمقاً.
لا تعد قصة القعقاع حادثة فردية، بل هي انعكاس لواقع آلاف الشباب اليمنيين الذين يقتاتون من المهن الخطرة في ظل معدلات بطالة تتجاوز 60%. يبرز في هذا السياق مهيب فيصل (30 عاماً)، الملقب بـعنكبوت اليمن، الذي يمارس العمل ذاته منذ 7 سنوات، مؤكداً بمرارة أن الشهرة الرقمية لم توفر له ثمن إيجار منزله، وأن دافعه الوحيد للاستمرار هو توفير مصروف أطفاله.
وفي تعز، يتحدث عمال البناء عن غياب تام لأدوات السلامة المهنية، حيث يعتمد العمال على مهاراتهم الشخصية فقط لتفادي السقوط من أعالي المباني قيد الإنشاء، في مشهد يعكس حجم المخاطر التي يواجهها العامل اليمني يومياً بحثاً عن لقمة العيش في بيئة تفتقر لأدنى معايير الحماية القانونية والاجتماعية.