
يعيد فيلم زيدان: بورتريه للقرن الـ21?، الذي يُعرض حالياً في متحف غوغنهايم بنيويورك، طرح أسئلة جوهرية حول الهوية والاندماج في فرنسا، عبر تتبع جسد أسطورة كرة القدم زين الدين زيدان على مدار 90 دقيقة من الصمت والحركة، بعيداً عن صخب التعليق الرياضي التقليدي.
الفيلم، الذي صُوّر قبل النطحة الشهيرة بعام، لا يسعى لتفسير سلوك اللاعب بقدر ما يراقب جسده كخريطة تمتد من قرية أجمون الجزائرية إلى ضواحي مارسيليا، كاشفاً عن التناقضات بين وعود فرنسا لأبناء المهاجرين والحقيقة التي اصطدموا بها لاحقاً.
تستعرض قصة زيدان مسيرة والده إسماعيل، الذي غادر الجزائر عام 1953 للعمل في مصانع فرنسا ضمن موجات الهجرة التي استُقدمت لتشغيل مناجم الفحم والمصانع. آنذاك، كان الملعب أداة للضبط الاجتماعي؛ حيث كانت الدولة الفرنسية تتعامل مع ضواحي المهاجرين عبر ثلاثة محاور:
لقد كان زيدان التجسيد الحي لنجاح هذه السياسة، خاصة بعد تتويج فرنسا بكأس العالم 1998، حينما تحول إلى أيقونة وطنية رفعت صورتها على قوس النصر. لكن هذا المجد كان هشاً؛ فسرعان ما تلاشت تلك الصورة مع توالي الأزمات، بدءاً من اقتحام الجماهير للملاعب خلال مباراة فرنسا والجزائر عام 2001، وصولاً إلى انفجار ضواحي باريس عام 2005، وتصاعد الخطاب السياسي الذي وصف المحتجين بـالحثالة.
Start of Brightcove Playerلم تكن النطحة في نهائي كأس العالم 2006 مجرد لحظة غضب عابر، بل كانت كاشفة لـالمواطنة المشروطة في فرنسا. فبمجرد خروج زيدان عن النص، تحول في الإعلام من الفنان العبقري إلى الوحشي وابن الضواحي الذي عاد إلى أصله في لحظة غضب، مما يعيد للأذهان مقولة فيلم الكراهية (1995): المهم ليس السقوط، بل الارتطام بالأرض.
وتكتمل الدائرة اليوم مع قرار لوكا بن زيدان بتمثيل المنتخب الجزائري عام 2025؛ وكأن الحفيد يعلن عودته إلى الجذور التي غادرها جده إسماعيل قبل عقود، في إشارة رمزية إلى فشل مشروع الاندماج الكامل. يبقى السؤال الذي يطرحه الفيلم معلقاً: هل كان البورتريه لزيدان، أم لفرنسا التي حاولت احتواءه ثم نبذته؟