
حين أصبح النفط عصب الاقتصاد العالمي في القرن العشرين، أعاد رسم خريطة النفوذ والثروة لعقود طويلة. واليوم، وبينما يتسارع سباق الذكاء الاصطناعي حول العالم، يبدو أن التاريخ يعيد إنتاج نفسه ولكن بأدوات مختلفة؛ فالثروة الجديدة لا تُستخرج من باطن الأرض، بل تُنتج داخل مراكز بيانات عملاقة تستهلك كميات ضخمة من الطاقة، لتتحول بذلك إلى البنية التحتية الأكثر أهمية في الاقتصاد الرقمي.
يفرض التوسع السريع في تطبيقات الذكاء الاصطناعي ضغوطاً متزايدة على شبكات الكهرباء وأنظمة التبريد. وفي منطقة الشرق الأوسط، يتقاطع هذا التحول مع طموحات اقتصادية واسعة للتموضع كمركز عالمي للذكاء الاصطناعي، حيث تقدر مساهمة القطاع عالمياً بنحو 4.8 تريليون دولار بحلول عام 2033.
وتواجه المنطقة تحديات هيكلية، إذ تشير التحليلات إلى حاجة المنطقة لزيادة قدرتها الكهربائية بنحو 40% بحلول عام 2030 لمواكبة الطلب، بينما لا يتجاوز معدل النمو الحالي 15%. وأمام هذه الفجوة، تبرز مصفوفة الموارد والذكاء كمقاربة لمواءمة التوسع في القدرات الحاسوبية مع كفاءة استهلاك الموارد.
بدأت أسواق أفريقية مثل كينيا ونيجيريا والمغرب تطرح نفسها كوجهات واعدة لمراكز البيانات بفضل وفرة الطاقة المتجددة. ويشير سنيهار شاه، الرئيس التنفيذي لشركة آي إكس أفريكا داتا سنتر، إلى أن القارة تضم 18% من سكان العالم لكنها تمتلك أقل من 1% من البنية التحتية الرقمية، مما يفتح آفاقاً واسعة للنمو.
وتبرز كينيا كنموذج رائد، حيث يعتمد 93% من إنتاجها للكهرباء على مصادر متجددة، لا سيما الطاقة الحرارية الجوفية، مما يوفر طاقة مستقرة وبتكلفة تنافسية تجذب شركات التكنولوجيا العالمية مثل أوراكل وغوغل وميتا.
يؤكد الخبراء أن جذب الاستثمارات لا يعتمد فقط على وفرة الطاقة، بل على استقرارها وجودة البنية التحتية للاتصالات والبيئة التنظيمية. وفي هذا السياق، أصبحت مراكز البيانات جزءاً من منظومة إستراتيجية متكاملة.
تتصدر السعودية والإمارات المشهد الإقليمي بفضل استثمارات سيادية ضخمة في البنية التحتية السحابية. ومع ذلك، تواجه المنطقة تحديات تتعلق بارتفاع درجات الحرارة التي تزيد من تكاليف أنظمة التبريد، بالإضافة إلى ضرورة الموازنة بين الاعتماد على الوقود التقليدي وأهداف الاستدامة العالمية.
إن المنافسة القادمة ليست مجرد سباق جغرافي، بل صراع بين نماذج تطويرية. فالدول القادرة على توفير كهرباء مستقرة ومنخفضة التكلفة، مع ربط شبكي عالمي وأطر تنظيمية شفافة، ستكون الأقدر على حجز مكانة لها في الاقتصاد العالمي الجديد. وكما أعاد النفط رسم جغرافيا النفوذ في القرن الماضي، قد تعيد الكهرباء والبيانات رسمها في القرن الحادي والعشرين.