
لم يعد حضور المؤسسات الإخبارية على المنصات الرقمية مقتصرًا على نشر الروابط بانتظار الزيارات؛ إذ تدفع التحولات في سلوك الجمهور وتطور محركات البحث المدعومة بالذكاء الاصطناعي الناشرين إلى بناء علاقة أكثر تفاعلاً مع المجتمعات الرقمية. وتبرز منصة ريديت (Reddit) كنموذج استثنائي، حيث سجلت النقاشات المرتبطة بالأخبار عليها نحو 55 مليار مشاهدة خلال العام الماضي، لتصبح محتوياتها من بين المصادر الأكثر استشهاداً في إجابات أنظمة الذكاء الاصطناعي.

تختلف بنية ريديت عن شبكات التواصل التقليدية القائمة على عدد المتابعين؛ فهي تنظم حول مجتمعات متخصصة يديرها أكثر من 100 ألف مشرف متطوع، يضعون قواعد صارمة لكل مجتمع. وبحسب غابرييل ساندز، مسؤول شراكات الأخبار في المنصة، فإن الخطأ الذي تقع فيه المؤسسات الإعلامية هو التعامل مع ريديت كقناة ترويجية، بينما يتطلب النجاح الانتقال إلى عقلية المشاركة في النقاشات.
يشارك المستخدمون في هذه المنصة بأسماء مستعارة، مما يتيح مساحة لنقاشات صريحة وتجارب إنسانية عميقة. ولا تقتصر قيمة المادة المنشورة على عدد النقرات، بل بقدرتها على إطلاق حوار يقدم سياقاً إضافياً يربط الخبر باهتمامات الجمهور.

أصبحت المنصة مصدراً أساسياً لأنظمة مثل غوغل إيه آي أوفرفيوز وشات جي بي تي وبيربليكسيتي. ويعود ذلك إلى الطابع البشري للمحتوى؛ حيث يتم ترتيب المنشورات والتعليقات بناءً على تصويت أفراد المجتمع (إيجاباً أو سلباً)، مما يجعلها مخزناً غنياً بالتجارب والتقييمات التي تبحث عنها خوارزميات الذكاء الاصطناعي لتقديم إجابات تتجاوز المعلومات الرسمية الجافة.

توفر المنصة أدوات ريديت برو (Reddit Pro) المجانية للناشرين، والتي لا تقتصر على تحليل الزيارات، بل تشمل الاستماع الاجتماعي وتتبع الكلمات المفتاحية. تتيح هذه الأدوات للمؤسسات اكتشاف المجتمعات التي تتداول تقاريرها بشكل عضوي، وتقدم توصيات ذكية للمجتمعات التي يمكن للمؤسسة التفاعل معها.

تتحول العلاقة بين الصحفيين والمجتمعات على ريديت من مجرد توزيع محتوى إلى عملية جمع أخبار ورصد للاتجاهات. يمكن للصحفيين تنظيم جلسات اسألني أي شيء (AMA)، أو بناء علاقات مع أعضاء المجتمعات، وهو ما أثبت فعاليته لدى مؤسسات إعلامية دولية حققت نمواً متواصلاً في زياراتها.

في الختام، تؤكد تجربة ريديت أن الصحافة المهنية تظل وقوداً مركزياً للنقاش العام. وفي ظل صعود البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي، أصبح الحضور المهني في هذه الفضاءات ضرورة استراتيجية؛ فغياب المؤسسات الصحفية لا يعني فقط خسارة الزيارات، بل يعني ترك النقاشات التي تشكل وعي الجمهور ومحركات البحث من دون حضور مهني فاعل.
