
قبل 135 عاماً، وقف الجيولوجيون أمام ظاهرة غريبة في ولاية نبراسكا الأمريكية؛ هياكل حجرية حلزونية الشكل، تمتد لعمق كبير تحت سطح الأرض، وتتألف من مواد صلبة كالعقيق والرواسب المتحجرة. أطلق العلماء على هذه التكوينات اسم لولب الشيطان، وظل أصلها لغزاً يحير الباحثين لعقود طويلة.
بدأ الجدل العلمي حول هذه الهياكل منذ اكتشافها عام 1891؛ حيث انقسم الباحثون بين فرضية البيئات البحرية القديمة وبين فرضية السلوك الحيواني. فقد رفض عالم الحفريات الأمريكي إروين باربور فكرة الجحور الحيوانية، بينما رجح باحثون آخرون مثل أولاف بيترسون أنها تعود لكائنات قارضة منقرضة، مستندين في ذلك إلى العثور على بقايا عظمية داخل بعض تلك التكوينات.

في سبعينيات القرن الماضي، حسمت دراسات ميدانية ومخبرية دقيقة، قادها الباحثان لاري مارتن وديب بينيت من جامعة كانساس، هذا الجدل. أظهرت التحليلات تطابقاً مذهلاً بين آثار الأسنان الموجودة على جدران الصخور وقواطع الحيوان المنقرض باليأوكاستور، مما قدم دليلاً قاطعاً على أن هذه التكوينات ليست سوى جحور حلزونية معقدة حفرتها هذه الكائنات تحت الأرض في العصر الميوسيني.
Richard Holder examines a Daemonhelix in Agate Fossil Beds National Monument. Known locally as Devil’s Corkscrews, each structure is the infilling of a left- or right-handed spiral or helix that can extend up to seven feet into the ground.
?: NPS / William S. Keller pic.twitter.com/RQreHioGAH
— Smithsonian Magazine (@SmithsonianMag) May 19, 2024
باليأوكاستور هو جنس من القنادس القديمة التي عاشت في أمريكا الشمالية قبل 20 إلى 30 مليون سنة. وعلى عكس القنادس الحديثة، كان هذا الحيوان أصغر حجماً ويشبه في هيئته القوارض البرية، لكنه امتلك قدرة استثنائية على الحفر العميق باستخدام قواطع أمامية مسطحة وقوية.
ويشير العلماء إلى أن اختيار التصميم الحلزوني لم يكن عبثاً، بل كان تكيفاً سلوكياً ذكياً يهدف إلى:
مع مرور ملايين السنين، امتلأت هذه الأنفاق بالرواسب والمعادن، لتتحول إلى أحافير صخرية صلبة، تظل اليوم شاهداً صامتاً على ذكاء الطبيعة وتكيف الكائنات الحية مع بيئاتها القاسية منذ العصور الغابرة.