
قبل نحو 20 ألف عام، كانت سهوب آسيا المتجمدة موطناً لأسد ضخم جاب عالم الماموث ووحيد القرن الصوفي. لم يكن هذا الكائن مجرد نسخة قديمة من الأسود المعاصرة، بل كان سلالة منقرضة فريدة تُعرف باسم أسود الكهوف، أثارت لسنوات تساؤلات العلماء حول علاقتها بالأسود الحديثة.
في دراسة جينومية حديثة نُشرت في دورية سيل (Cell)، قام فريق بحثي دولي بتحليل جينومات 12 أسداً من أسود الكهوف، تعود لأكثر من 100 ألف عام، من مناطق جغرافية متنوعة شملت أوروبا، سيبيريا، آسيا الوسطى، وأمريكا الشمالية، لمقارنتها بجينومات الأسود الحديثة والمنقرضة.
أظهرت النتائج أن أسود الكهوف والأسود الحديثة تمثل سلالتين منفصلتين تاريخياً، مع انفصال جيني يعود إلى أكثر من مليون سنة. ومع ذلك، كشفت الدراسة عن مفاجأة علمية؛ فقد وجد الباحثون أدلة على حدوث تدفق جيني بين السلالتين خلال العصر الجليدي الأخير.
يشير ديفيد ستانتون، المؤلف الرئيسي للدراسة، إلى أن أسود الكهوف لم تكن معزولة تماماً. ففي بعض الفترات، أدت التغيرات المناخية إلى دفع أسود الكهوف جنوباً، مما أدى إلى تداخل نطاقها الجغرافي مع أسود جنوب غرب آسيا، وهو ما نتج عنه تزاوج محدود بين المجموعتين. وقد أظهرت العينات أن أحد أسود الكهوف الذي عاش قبل 20 ألف عام يحمل ما يصل إلى 4.4% من أصول جينية تعود لأسود حديثة.
تشير البيانات إلى أن أسود الكهوف كانت مترابطة جينياً عبر مساحات شاسعة من أوراسيا، مما يدحض فكرة أنها كانت تعيش في مجموعات معزولة صغيرة. وفي المقابل، بدت أسود أمريكا الشمالية أكثر تمايزاً جينياً، حيث يرجح الباحثون وجود أصول تعود لسلالة قطية منقرضة لم تُدرس جينوماتها بشكل كافٍ بعد.
بعيداً عن تتبع الأنساب، حدد الباحثون طفرات جينية مميزة في أسود الكهوف مرتبطة بوظائف الدماغ، الجهاز العصبي، الرؤية، والنمو. ويُعتقد أن هذه الطفرات لعبت دوراً حيوياً في تكيف هذه الحيوانات مع قسوة العصر الجليدي، بما في ذلك درجات الحرارة المنخفضة جداً وطبيعة الفرائس الضخمة.
يؤكد الباحثون أن هذه النتائج تفتح الباب لمزيد من الاستكشاف، مشيرين إلى أن محدودية العينات الجينية القديمة لا تزال تشكل تحدياً أمام استخلاص إجابات نهائية حول كافة جوانب حياة وتطور هذه الكائنات. وتظل الحاجة قائمة لمزيد من الدراسات الجينية لربط هذه الطفرات بشكل قاطع بالضغوط البيئية التي واجهتها أسود الكهوف قبل انقراضها.