
في زمن الأزمات الكبرى، تسقط الشعارات سريعًا، وتبقى الأفعال وحدها معيار الحكم .. لا يسأل المواطن عن شرعية الخطاب ولا عن فخامة البيانات، بل عن سؤال واحد لا يقبل التأجيل:
من يدير الدولة؟ ومن يحمي أساسيات الحياة ويوفر الحد الأدنى من متطلبات العيش ؟
وعند هذا الامتحان القاسي، برز الفارق بوضوح بين صنعاء وعدن.
رغم الحرب والحصار وشحّ الموارد، استطاعت حكومة صنعاء أن تفرض نموذجًا إداريًا أكثر تماسكًا، أكثر انتظامًا، وأكثر حضورًا في تفاصيل الدولة اليومية .. مؤسسات تعمل – ولو بحدود الممكن – قرار مركزي واضح، أجهزة تعرف مهامها، وسلطة تدير مناطقها بثبات، لا بعشوائية.
ليس الحديث هنا عن مثالية أو كمال، بل عن كفاءة نسبية في إدارة الواقع، وقدرة على الحفاظ على شكل الدولة حتى في أقسى الظروف.
في المقابل، تقف حكومة عدن، بكل ما تمتلكه من دعم واعتراف وإمكانات، عاجزة عن تقديم نموذج منافس أو حتى مقنع .. سلطة متشظية، قرار ضائع، مؤسسات معطّلة، وصراعات داخلية تلتهم ما تبقى من هيبة الدولة.
حكومة تتحدث كثيرًا عن الشرعية، لكنها فشلت في ترجمتها إلى خدمات، أو استقرار، أو إدارة رشيدة.
وهنا تبدأ المفارقة المؤلمة:
حين يرى المواطن في الشمال أن صنعاء – رغم الحرب – أكثر انضباطًا إداريًا، وأكثر وضوحًا في القرار، وأكثر قدرة على إدارة شؤون الناس، فإن المقارنة تصبح حتمية، بل ومنطقية.
صنعاء لم تربح هذا الانطباع عبر إعلام صاخب، بل عبر إدارة الواقع بالخبز، بالكهرباء، بالراتب، بالأمن، وبالإحساس البسيط بأن هناك “سلطة” تعرف ما تريد، حتى لو اختلفنا معها.
بينما خسرت عدن معركتها لا بسبب قوة خصمها، بل بسبب ضعفها الذاتي، وتحوّلها إلى ساحة صراع نفوذ لا إلى عاصمة دولة.
في صنعاء، السلطة واحدة، القرار واضح، والمؤسسات – تعمل ضمن منظومة.
أما في عدن، فالسلطة موزّعة، والقرار مرتهن، والدولة غائبة، حتى بات المواطن لا يعرف من يحكم، ولا من يُحاسَب.
وهكذا، وبصمت، نجحت حكومة صنعاء في تقديم نفسها كسلطة قادرة على إدارة المناطق الواقعة تحت سيطرتها، بينما أخفقت حكومة عدن في استثمار كل ما مُنح لها من فرص، لتتحول من مشروع دولة إلى نموذج للفشل السياسي والإداري.
إن أخطر ما تواجهه حكومة عدن اليوم ليس النقد، بل فقدان الثقة، فالثقة لا تُستعاد بالخطب، ولا بالاتهامات، بل بالأداء، والانضباط، وبناء مؤسسات حقيقية.
وعندما يصبح الاستقرار النسبي في صنعاء موضع إشادة حتى من خصومها، فذلك ليس انقلابًا في الوعي، بل نتيجة طبيعية لأداء يُقاس على الأرض.
فالدولة لا تُحكم بالنوايا،
ولا تُقاس بالاعتراف الدولي،
بل بما تحققه لمواطنيها من انتظام، وأمن، وإدارة..
بما يشعر به المواطن عندما يستيقظ كل صباح:
هل هناك نظام؟
هل هناك دولة؟
أم مجرد سلطة تتقاسم الفشل.