يواجه النظام الدولي، الذي تشكل في أعقاب الحرب العالمية الثانية، تحدياً غير مسبوق في ظل الرؤية السياسية للرئيس الأمريكي دونالد ترمب، الذي يؤكد باستمرار أن سلطته المطلقة لا تخضع لقيود القوانين الدولية أو المعاهدات والاتفاقيات المبرمة.
وفي إجابة لافتة حول حدود صلاحياته على الساحة الدولية، اختصر ترمب فلسفته قائلاً: ثمة شيء أخلاقي واحد، عقلي، أنا وحدي الذي يستطيع إيقافي، وهي عبارة تعكس تحولاً جوهرياً في العقيدة السياسية الأمريكية من الالتزام بالقوانين إلى فرض القوة.
تفكيك النظام الدولي
اعتمدت الهيمنة الأمريكية منذ عام 1945 على بناء شبكة معقدة من المؤسسات الدولية التي منحت واشنطن شرعية دولية، بدءاً من الأمم المتحدة واليونسكو، مروراً بمنظمة الصحة العالمية، وصولاً إلى حلف الناتو ومنظمة التجارة العالمية. ومع ذلك، يتبنى ترمب نهجاً مختلفاً يقوم على الانسحاب الأحادي أو وقف التمويل عن هذه المؤسسات.
الانسحاب الأمريكي والفراغ الإستراتيجي
تجاوزت سياسة أمريكا أولاً حدود الخطاب السياسي لتتحول إلى قرارات تنفيذية، حيث أصدر ترمب مذكرة تقضي بانسحاب الولايات المتحدة من 31 كياناً تابعاً للأمم المتحدة دفعة واحدة، مع استهداف مؤسسات حيوية مثل مجلس حقوق الإنسان ومنظمة الصحة العالمية، واصفاً إياها بـ المعادية لأمريكا.
هذا الفراغ الذي خلفه التراجع الأمريكي لم يظل شاغراً؛ إذ تعمل الصين على إعادة تموضعها لملء هذه الفجوة عبر ضخ مليارات الدولارات في البرامج الدولية، والدفع بدبلوماسييها لتولي مناصب قيادية في الوكالات الأممية، مما يمنح بكين القدرة على صياغة الأجندات الدولية بما يخدم مصالحها الإستراتيجية.
أزمة ثقة دولية
أدى النهج الأمريكي الأحادي إلى تآكل الثقة في التزامات واشنطن الدولية؛ حيث بات العالم ينظر إلى الاتفاقيات الموقعة مع الولايات المتحدة كأنها مرتبطة بمدة ولاية الرئيس الحالي، لا بكونها التزامات دولة مؤسسات. هذا التذبذب في السياسة الخارجية -بين إلغاء ترمب لاتفاقيات سلفه أوباما، ثم عودة بايدن، وتجدد الإلغاء في ولاية ترمب الثانية- جعل من الالتزام الأمريكي بعملة غير مستقرة في سوق السياسة الدولية، وهو ثمن قد تدفعه واشنطن من نفوذها لعقود طويلة.


