يصل وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إلى مدينة سمرقند التاريخية في أوزبكستان، في زيارة تحمل دلالات استراتيجية كبرى، حيث يجري محادثات مع وزراء دول آسيا الوسطى، وذلك في إطار قمة C5+1 التي تمتد فعالياتها من السبت إلى الثلاثاء.
تؤشر هذه الزيارة إلى تحول جذري في المقاربة الأمريكية تجاه المنطقة التي كانت جزءاً من الاتحاد السوفيتي السابق؛ إذ انتقلت واشنطن من نهج المحاضرات حول الديمقراطية وحقوق الإنسان إلى سياسة براغماتية بحتة تعتمد على المصالح المتبادلة والصفقات الاقتصادية.
نهاية عصر المحاضرات الأمريكية
في تسعينيات القرن الماضي، عقب انهيار الاتحاد السوفيتي، دخلت الولايات المتحدة إلى المنطقة حاملةً معها وعوداً بالازدهار الرأسمالي مقابل إصلاحات سياسية واقتصادية شاملة. آنذاك، ربطت واشنطن استثماراتها باحترام حقوق الإنسان وتفكيك الأنظمة الاستبدادية، مما أدى في كثير من الأحيان إلى صدامات مع قادة المنطقة الذين رأوا في هذه الضغوط تدخلاً في شؤونهم السيادية.
وتشير غالية إبراهيموفا، الخبيرة الإقليمية، إلى أن التلويح بالعقوبات وانتقاد التعديلات الدستورية لتمديد فترات الحكم دفع قادة آسيا الوسطى إلى الارتماء في أحضان بكين وموسكو، اللتين لا تتدخلان في الخصوصيات السياسية للحكام.
موسكو: من القوة الناعمة إلى الضغوط الجيوسياسية
على الجانب الآخر، تجد روسيا نفسها في وضع معقد بعد غزو أوكرانيا عام 2022. فرغم احتفاظها بنفوذ ثقافي وإعلامي واسع، إلا أن خطابها بات أكثر حدة؛ حيث تروج لمفهوم العالم الروسي وتعتبر آسيا الوسطى خارجاً قريباً تابعاً لها. وقد أدى هذا التوجه، بالإضافة إلى استغلال موسكو لشركات المنطقة للالتفاف على العقوبات الغربية، إلى خلق حالة من الحذر لدى دول المنطقة تجاه النفوذ الروسي المتزايد.
آسيا الوسطى في حقبة ترامب: صفقات لا ديمقراطية
تتبنى إدارة الرئيس دونالد ترامب نهجاً نفعياً قائماً على الأعمال التجارية، بعيداً عن التدقيق في ملفات حقوق الإنسان. ويتجلى ذلك في استقبال ترامب لابنة الرئيس الأوزبكي، سعيدة ميرضيائيف، وتعهد أوزبكستان باستثمارات ضخمة في الاقتصاد الأمريكي، بما في ذلك صفقات شراء طائرات بوينغ.
ويوضح أليشر إلهاموف، رئيس مركز Central Asia Due Diligence، أن الاهتمام الأمريكي الحالي ينصب بشكل أساسي على:
- الأهداف الجيوسياسية: خلق توازن استراتيجي في منطقة تتنازعها المصالح الروسية والصينية.
- الأمن العسكري: رغبة واشنطن المحتملة في إقامة قواعد عسكرية لردع النفوذ الصيني.
- الموارد الاستراتيجية: تأمين الوصول إلى المعادن الأرضية النادرة الضرورية للصناعات التكنولوجية المتقدمة.
تحديات المستقبل
يرى مراقبون، مثل إيفار ديل من لجنة هلسنكي النرويجية، أن غياب أجندة حقوق الإنسان في المحادثات الأمريكية الحالية قد يضعف من مصداقية صيغة C5+1 على المدى الطويل. ورغم اعترافهم بأن ماركو روبيو يمتلك فهماً أعمق لتحديات المنطقة مقارنة بغيره من المسؤولين في الإدارة، إلا أن الأولوية المطلقة للمصالح التجارية والجيوسياسية تظل هي المحرك الأساسي لعودة البيت الأبيض إلى آسيا الوسطى.


