في وقت تتزايد فيه التوترات الجيوسياسية في منطقة شرق المتوسط، تشهد قبرص حالة من القلق الشعبي والسياسي إزاء تغلغل النفوذ الإسرائيلي في مفاصل الدولة الحيوية، بدءاً من البنية التحتية للمياه وصولاً إلى قطاعي الدفاع والطاقة.
قبضة على الموارد الحيوية
تعتمد قبرص بشكل شبه كلي على تحلية مياه البحر لتغطية احتياجاتها المائية، وهنا يبرز دور شركة ميكوروت (Mekorot) الإسرائيلية الحكومية، التي تدير محطات تحلية رئيسية في لارنكا وإبيسكوبي، بالإضافة إلى توقيعها اتفاقيات لإدارة شبكات المياه والصرف الصحي في العاصمة نيقوسيا. هذا الحضور أثار مخاوف لدى شرائح واسعة من القبارصة، الذين يربطون بين سيطرة الشركة على الموارد المائية وبين ممارساتها في الأراضي الفلسطينية المحتلة، حيث تُتهم الشركة بفرض فصل مائي وحرمان الفلسطينيين من مصادرهم الطبيعية.
نفوذ اقتصادي متسارع
تضاعفت الاستثمارات الإسرائيلية في قبرص بشكل لافت، حيث تجاوزت قيمتها 5.1 مليار يورو بحلول نهاية عام 2024. ولا يتوقف الطموح الإسرائيلي عند الاستثمارات التقليدية، بل يمتد إلى محاولات الاستحواذ على بورصة قبرص، وهو ما يراه مراقبون بوابة إسرائيلية للوصول إلى أسواق منطقة اليورو. وفي القطاع الصحي، دخلت مجموعة هداسا الطبية الإسرائيلية السوق القبرصي بافتتاح مركز طبي متطور في ليماسول، بينما تضع الشركات الإسرائيلية ثقلها في حقل أفروديت للغاز الطبيعي بنسب استحواذ مؤثرة.
تحالف عسكري تحت غطاء الحماية
تُبرر الحكومة القبرصية هذا التقارب باعتباره تحالفاً أمنياً ضرورياً لمواجهة التهديدات التركية، لا سيما مع استمرار احتلال تركيا لشمال الجزيرة منذ عام 1974. وقد ترجم هذا التحالف عبر تدريبات عسكرية مشتركة في جبال ترودوس، واستبدال أنظمة الدفاع الجوي القبرصية بمنظومة باراك إم إكس (Barak MX) الإسرائيلية.
مخاوف من سيناريو الاستعمار الجديد
يعبر العديد من المواطنين والباحثين في قبرص عن خشيتهم من أن تتحول بلادهم إلى رهينة لسياسات خارجية إسرائيلية. ويشير الباحثون إلى أن استراتيجية إسرائيل القائمة على خلق المشكلة ثم تقديم الحل تذكرهم بالحقبة الاستعمارية البريطانية. ويحذر مراقبون من أن التماهي مع السياسات الإسرائيلية قد يضع قبرص في مواجهة مع قيمها الخاصة، خاصة عندما يتعلق الأمر بشرعية الاحتلال، وهو ما دفع أحزاباً معارضة مثل أكيل (AKEL) إلى وصف بعض التحركات السياسية الأخيرة بـ الاستفزازية.
تظل التساؤلات مطروحة حول مدى قدرة نيقوسيا على الحفاظ على استقلال قرارها السيادي في ظل هذا الارتباط العضوي المتزايد، والذي يراه البعض وسيلة لفرض هيمنة شاملة على الدولة القبرصية بمختلف قطاعاتها.


