تواصل قوات الاحتلال الإسرائيلي سياسة قضم الأراضي في قطاع غزة، متجاوزةً بنود اتفاق وقف إطلاق النار الذي رُعي دولياً، لتدفع بالمدنيين الفلسطينيين نحو مساحات جغرافية تتقلص باستمرار وسط ظروف إنسانية كارثية.
تآكل المساحة: من الخط الأصفر إلى المجهول
في البداية، حدد الخط الأصفر -وهو جزء من خطة إنهاء الحرب- المناطق التي انسحبت إليها القوات الإسرائيلية، مع وعود بانسحابات تدريجية. لكن الواقع الميداني شهد العكس تماماً؛ حيث عمدت القوات الإسرائيلية إلى دفع الكتل الخرسانية الصفراء التي ترسم هذا الخط نحو الغرب بشكل مستمر، لا سيما في حي الشجاعية شرق مدينة غزة، مما أجبر مئات العائلات على النزوح القسري مجدداً.
غزة قبل الحرب: كثافة سكانية عالية
قبل اندلاع الحرب، كان قطاع غزة الذي تبلغ مساحته 365 كيلومتراً مربعاً يعد من أكثر المناطق اكتظاظاً في العالم، حيث بلغت الكثافة السكانية نحو 6,000 نسمة لكل كيلومتر مربع، مع فرض إسرائيل قيوداً مسبقة عبر منطقة عازلة وحصار خانق منذ عام 2007.
واقع ما بعد اتفاق وقف إطلاق النار
مع إعلان وقف إطلاق النار، حصرت القوات الإسرائيلية الفلسطينيين في 47% فقط من مساحة القطاع، بينما أحكمت سيطرتها على 53% من الأراضي، معظمها مناطق زراعية وحدودية. هذا التضييق أدى إلى تضاعف الكثافة السكانية لتصل إلى 12,000 نسمة لكل كيلومتر مربع.
غزة اليوم: حصار داخل الحصار
تشير التقديرات الحالية إلى أن إسرائيل تسيطر الآن على نحو 70% من مساحة القطاع، بينما حُشر أكثر من 2.1 مليون فلسطيني في مساحة لا تتجاوز 35% من القطاع. وقد أدى هذا التكدس إلى ارتفاع الكثافة السكانية لتصل إلى 16,000 نسمة لكل كيلومتر مربع، وهو ما يقارب كثافة مدينة طوكيو، ولكن دون أي بنية تحتية صالحة للحياة.
تؤكد التقارير الأممية أن 82% من المباني في قطاع غزة تعرضت للدمار أو التضرر، ولم يتبقَ من الأراضي الزراعية القابلة للاستخدام سوى 3% فقط. وتعد هذه المساحات المتبقية (35%) مناطق مكتظة بشكل يفوق القدرة الاستيعابية، حيث يعيش مئات الآلاف في خيام ومراكز إيواء مهددة بالغرق مع حلول فصل الشتاء.
يُذكر أن المناطق الواقعة خارج الخط الأصفر تُعامل من قبل القوات الإسرائيلية كـ مناطق قتل (Free-fire zones)، حيث يتعرض أي فلسطيني يقترب منها لخطر الاستهداف المباشر، مما يجعل من حركة المدنيين داخل القطاع مخاطرة يومية تهدد حياتهم.


