في خطوة تصعيدية غير مسبوقة، وضعت وزارة الخزانة الأمريكية في 9 أكتوبر/تشرين الأول 2026، المحكمة الجنائية الدولية على قائمتها الرئيسية للعقوبات. القرار الذي جاء بعد ساعات من فوز القاضية السابقة في المحكمة، نافي بيلاي، بجائزة نوبل للسلام، يمثل تحولاً جوهرياً في طبيعة المواجهة بين واشنطن والمؤسسة القضائية الدولية؛ فبعد أن كانت العقوبات تستهدف أفراداً أو منظمات متعاونة، باتت المحكمة ذاتها كياناً خاضعاً للقيود الأمريكية.
قيود تطال الاستقلالية
تفرض الإدارة الأمريكية قيوداً صارمة على التعامل مع المحكمة حيثما وصلت سلطتها، مما يعني تجميد الأموال والممتلكات الموجودة في الولايات المتحدة، أو تلك التي في حوزة أشخاص أمريكيين أو تحت سيطرتهم، بما يشمل المواطنين والمقيمين والشركات وفروعها في الخارج. وفي هذا السياق، يبرز التحدي الذي تواجهه استقلالية المحكمة:
الجديد أن التعامل العادي مع المحكمة نفسها صار مقيدا حيثما وصلت السلطة الأمريكية، أي في كل ما يتعلق بالأموال والممتلكات الموجودة في الولايات المتحدة، أو التي في حوزة أشخاص أمريكيين أو تحت سيطرتهم، وهم بحسب الأمر التنفيذي المواطنون الأمريكيون والمقيمون إقامة دائمة والشركات الأمريكية، بما فيها فروعها وشركاتها التابعة في الخارج، وأي شخص موجود في الولايات المتحدة.
الاستثناءات: أداة ضغط لا وسيلة تيسير
رغم إصدار واشنطن أربعة تراخيص عامة لاستثناء بعض أعمال المحكمة، إلا أن خبراء يرون فيها أداة ضغط دبلوماسي أكثر من كونها تسهيلاً فنياً. فالترخيص رقم 13، الذي يسمح بالمعاملات الأساسية، ينتهي في 7 أبريل/نيسان 2027، وتؤكد وزارة الخارجية الأمريكية أن هذه التراخيص قابلة للتعديل أو الإلغاء بناءً على مدى استجابة الدول الأعضاء للمخاوف الأمريكية.
وفي هذا الصدد، أشار وزير الخارجية ماركو روبيو إلى صرامة الموقف الأمريكي بقوله:
كان وزير الخارجية ماركو روبيو أكثر صراحة: إما أن تنهي المحكمة الجنائية الدولية تهديداتها، وإما أن ننهي نحن المحكمة الجنائية الدولية.
جدلية السيادة والقانون الدولي
تستند واشنطن في إجراءاتها إلى حجة السيادة، مؤكدة أن ملاحقة مواطني دول غير أعضاء في نظام روما الأساسي يمثل تجاوزاً لصلاحيات المحكمة. ومع ذلك، يرى القانونيون أن هذه العقوبات تضع المحكمة أمام تحدٍ وجودي، حيث تعتمد استمراريتها العملية على النظام المالي والتقني العالمي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة.
مخاطر على الضحايا
يتجاوز أثر العقوبات الجدل القانوني ليصل إلى البرامج الإنسانية المرتبطة بالمحكمة. وعلى الرغم من عدم توقف أي برنامج فعلي حتى الآن، إلا أن التحذيرات تتصاعد بشأن تعطل سبل جبر الضرر للضحايا في مناطق النزاع:
حذّر الصندوق الاستئماني للضحايا -وهو الجهة التي أنشئت بموجب نظام روما لتنفيذ أحكام جبر الضرر ومساعدة الضحايا- من مخاطر تهدد برامج جبر الضرر، لكن التحذير لا يعني أن أي برنامج قد توقف. والأرجح أن يأتي التعطيل من الشركات والمصارف التي تتعامل مع المحكمة.
ختاماً، تظل الأشهر الستة المقبلة بمثابة مهلة حرجة. ففي ظل انتظار ضحايا دارفور وأوكرانيا وفلسطين وأفغانستان لتحقيق العدالة، بات مستقبل المحكمة معلقاً بين قدرة الدول الأعضاء على إيجاد بدائل تقنية ومصرفية مستقلة، وبين محاولات واشنطن فرض رؤيتها للسيادة عبر أدوات الضغط المالي.


