بعد نحو قرن من التخلي عن الممارسات التي كانت تحول تنفيذ الأحكام القضائية إلى مشهد عام، تثير الخطوات الأخيرة في الولايات المتحدة جدلاً واسعاً حول مستقبل عقوبة الإعدام. فبعد إعلان وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) عن نية تنفيذ حكم الإعدام بحق نضال حسن، المدان بقتل 13 جندياً في قاعدة فورت هود عام 2009، علناً وبثه عبر الإنترنت، عادت إلى الأذهان ذكريات مظلمة من التاريخ الأمريكي.
تاريخياً، كان آخر إعدام علني بارز في الولايات المتحدة قد نُفذ في 14 أغسطس/آب 1936 في مدينة أوينسبورو بولاية كنتاكي، حين أُعدم الشاب رايني بيثيا شنقاً أمام حشد قُدّر بنحو 20 ألف شخص. وقد تحول ذلك المشهد حينها إلى ما يشبه الكرنفال، حيث بيع الفشار والمشروبات الغازية وسط حضور جماهيري كثيف، وهو ما دفع السلطات لاحقاً إلى حظر هذه الممارسات واعتماد أساليب أكثر خصوصية.
تحول العقوبة إلى ترفيه
يرى خبراء قانونيون ونفسيون أن قرار بث عملية الإعدام القادمة عبر الإنترنت يحمل دلالات خطيرة. يقول مايكل راديليت، الأستاذ الفخري في جامعة كولورادو: لم أتخيل على الإطلاق إعداماً علنياً آخر. إن مبرر عقوبة الإعدام يتحول هنا إلى ترفيه... أحضروا الفشار، وادعوا أصدقاءكم.
من جانبها، أعربت سونيا ليا، الكاتبة التي وثقت تاريخ إعدام عام 1936، عن خشيتها من هذا التوجه، واصفة إياه بـ الرعب المطلق الذي يضع الولايات المتحدة في مصاف الدول التي لا تزال تعتمد هذه الأساليب، مشيرة إلى أن التكنولوجيا الحالية قد تجعل من هذا المشهد كرنفالاً من السادية يصل لملايين المشاهدين حول العالم.
انقسام في الرأي العام
على الرغم من إعلان وزير الدفاع بيت هيغسيث أن الهدف هو إيصال رسالة بأن هناك عواقب وخيمة لمثل هذه الأمور، إلا أن الاستجابة الشعبية تظل غير واضحة. يرى كيرت غراي، أستاذ علم النفس الاجتماعي في جامعة ولاية أوهايو، أن المجتمع الأمريكي يعيش حالة من الاستقطاب، حيث قد يتعطش البعض لرؤية الدماء، بينما يرى آخرون أنهم أصبحوا أقل تأثراً بالأمر نتيجة اعتيادهم على العنف الرقمي.
وتشير استطلاعات الرأي إلى أن التأييد الشعبي لعقوبة الإعدام بشكل عام شهد تراجعاً ملحوظاً، حيث انخفض من 80 في المئة عام 1994 إلى 52 في المئة حالياً، مع بروز السجن مدى الحياة كبديل أكثر قبولاً لدى قطاعات واسعة من المجتمع.
وفي الوقت الذي ترفض فيه أطراف سياسية ودينية هذا الإجراء، واصفة إياه بالعمل الهمجي، يظل السؤال مطروحاً حول ما إذا كانت الولايات المتحدة تعيد صياغة مفهوم العدالة الجنائية في عصر البث المباشر، أم أنها تخاطر بفقدان قيمها الإنسانية في سبيل إرسال رسائل ردع قاسية.


