قبل ربع قرن، غاب عن المشهد الثقافي المغربي أحد أعمدته الاستثنائية، الروائي محمد زفزاف (1945-2001)، الذي ترك خلفه إرثاً أدبياً لا يزال يثير الجدل ويشكل بوصلة للكثير من المبدعين. لم يكن زفزاف مجرد كاتب، بل كان مشروعاً وجودياً بدأ بتمرد أكاديمي في جامعة محمد الخامس، ليتحول إلى شاعر الرواية المغربية ومفكر الاختلاف الذي اختار التفرغ للكتابة والتسكع في أزقة الحانات والمقاهي البائسة.
سلطة الواقعية: أدب من قلب الهامش
شكّل زفزاف، إلى جانب رفاق دربه محمد شكري وإدريس الخوري، ثالوثاً أدبياً أحدث ثورة جمالية منذ ستينيات القرن العشرين. أعماله مثل الثعلب الذي يظهر ويختفي ومحاولة عيش، لم تكن مجرد نصوص تخييلية، بل كانت صرخة أنطولوجية في وجه القهر السياسي والتصدع الاجتماعي، مما جعل منجزهم هدفاً للمؤسسات التقليدية التي رأت في أدبهم خروجاً عن الأخلاق العامة.
لقد تميز زفزاف ببراعته في ضخ لغة المحكي اليومي داخل النسيج الروائي، ثائراً على القوالب الجاهزة، ومصراً على التعبير عن لسانه ومواقفه الفكرية، بعيداً عن نظريات النقد المستوردة.

من الصدى إلى الأثر: تحولات الرواية المغربية
على الرغم من رحيله، ظل أثر زفزاف حاضراً في الفضاء التخييلي المغربي. إلا أن مرحلة ما بعد الألفية الثالثة شهدت تحولاً في الكتابة الروائية، حيث بدأ الرهان على الرأسمال المعرفي والعلوم الإنسانية، مما دفع بعض النقاد إلى اعتبار كتابات زفزاف تقليدية أمام قراء جدد يبحثون عن التجريب. ومع ذلك، يظل زفزاف حاضراً كمرجع خفي، حيث تستعير الأقلام الروائية المعاصرة صوراً أدبية نابعة من عالمه، حتى وإن حاولت الانفلات من سلطة الواقعية العارية التي ميزت تجربته.
تخييل الواقع: شهادة إنسانية
كان رهان محمد زفزاف على النص الواقعي اختياراً فكرياً وموقفاً من ثنائية المحلية والعالمية. بالنسبة له، لم تكن الواقعية مجرد وصف، بل كانت شهادة اجتماعية وورشة للتجريب الفكري. إن نصوصه التي حفرت عميقاً في مسالك الجسد والوعي الجمعي، ستظل شاهدة على قدرة الأدب في مجابهة العبث، محولةً فعل الكتابة إلى نشيد تحرري يمجّد الإنسان في تراجيديته، ويشحذ وعي المجتمع في لحظات انكساره.


