أكدت نتائج الانتخابات العامة الأخيرة في البوسنة والهرسك، التي جرت في 4 أكتوبر، استمرار نمط سياسي مألوف على مدار العقود الثلاثة الماضية. فقد أسفرت الانتخابات عن فوز حاسم للأحزاب القائمة على أسس عرقية وقومية، مما دفع المحللين إلى التحذير من أن البلاد تتراجع ثلاثة عقود إلى الوراء، في ظل مستقبل سياسي يبدو أكثر قتامة.
مؤسسات الدولة في قبضة القوى المعرقلة
يعاني النظام الانتخابي البوسني من تعقيد إداري وهيكلي فريد، يجمع بين كيانين ومقاطعات متعددة، مما يجعله نموذجاً للدولة غير الوظيفية. ويعد مجلس الشعوب في الجمعية البرلمانية الأداة الرئيسية لعرقلة مسار البلاد نحو الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو.
وقد دأب مندوبو الاتحاد الديمقراطي الكرواتي (HDZ BiH) وتحالف الديمقراطيين الاجتماعيين المستقلين (SNSD) على تعطيل عمل المجلس بشكل متكرر، مستخدمين صلاحياتهم لفرض أجندات تخدم مصالحهم الخاصة، مما يعزز فرضية استمرار الحرب بوسائل سلمية؛ حيث انتقل الصراع من الميدان العسكري إلى القنوات السياسية والاقتصادية والدبلوماسية.
انقسام القوى المؤيدة للبوسنة
في المقابل، تظهر القوى السياسية التي تتبنى خطاباً مؤيداً للبوسنة في حالة من التشرذم والتنافس على السلطة، مما أفقدها القدرة على تحويل شعاراتها الوطنية إلى ممارسات عملية على أرض الواقع. ورغم استعادة حزب العمل الديمقراطي لصدارته في اتحاد البوسنة والهرسك، إلا أن المراقبين لا يبدون تفاؤلاً بقدرته على معالجة الأزمات التي ساهم في خلقها سابقاً.
تحديات اقتصادية وأمنية في ظل تغيرات دولية
بينما تواصل دول الجوار (صربيا وكرواتيا) عمليات التسلح، تعاني البوسنة من ضعف في وحدتها العسكرية والأمنية، حيث لا تزال الأجهزة الأمنية والحدودية خاضعة لتجاذبات سياسية لا تضع مصلحة الدولة في المقام الأول. دولياً، يبدو الموقف الأمريكي أكثر براغماتية وميلاً للمصالح المالية، بينما يعاني الاتحاد الأوروبي من حالة ارتباك تجاه كيفية التعامل مع الأزمة البوسنية.
دولة في مهب الهجرة والفقر
تعد البوسنة اليوم واحدة من أفقر الدول الأوروبية، وتتصدر مؤشرات الفساد والجريمة المنظمة. ومع غياب إحصاءات دقيقة للسكان منذ عام 2013، وهجرة مئات الآلاف من الشباب والكفاءات بحثاً عن حياة طبيعية، يطرح السؤال الجوهري نفسه: هل يمكن للبوسنة الصمود في ظل هيمنة القوى القومية، وتراجع أصدقائها في عالم يشهد تحولات جذرية؟


