في قلب العاصمة الأفغانية كابل، وتحديداً في حي مرادخاني التاريخي، لا تزال أصوات المطارق على الحديد تتردد في الممرات الضيقة، لتعلن أن المدينة القديمة لم تكتفِ بالبقاء، بل عادت لتروي حكايتها من جديد. وبينما يتصاعد صخب الحداثة في الخارج، يصرّ سليم شاه، الحرفي الذي أمضى خمسة عقود في مهنة الحدادة، على أن دكانه المتواضع ليس مجرد مكان للعمل، بل هو جزء من هوية عريقة تشكلت عبر الأجيال.
ذاكرة المدينة الحية
يعد حي مرادخاني، الواقع شمال نهر كابل، أحد أقدم المعالم التاريخية في العاصمة، حيث تعود جذوره إلى أواخر القرن الثامن عشر. لم يكن الحي يوماً مجرد كتلة من الحجر والطين، بل كان مركزاً تجارياً واجتماعياً نابضاً بالحياة، سكنته عائلات الحرفيين والتجار الذين صاغوا هوية المدينة عبر المهن التقليدية كالنجارة والصياغة والحدادة.
ويؤكد الباحث والمعماري الدكتور حشمت الله أتمر أن أهمية مرادخاني تتجاوز قيمته المعمارية المتمثلة في الأفنية الداخلية والزخارف الخشبية، لتصل إلى كونه شاهداً حياً على مراحل تاريخية مفصلية، وذاكرة حضرية تتحدى النسيان.
من التدهور إلى البعث
عانت مباني الحي لعقود من الإهمال والدمار نتيجة الحروب، مما دفع سكانها للخشية من فقدان ملامحها التراثية. ومع انطلاق مشاريع الترميم عام 2006، بدأت ملامح التغيير تظهر على البيوت والأسواق، حيث أعادت هذه الجهود، التي باركتها الجهات الرسمية، الاهتمام بالمكان وشجعت على استعادة الحياة في أزقته.
الحرف التقليدية: نبض لا يتوقف
لم يقتصر الترميم على الحجر، بل شمل الإنسان والحرفة. فقد لعبت مؤسسة فيروزكوه دوراً محورياً عبر معهد الفنون والعمارة الأفغاني، الذي قدم برامج تدريبية للشباب في مجالات الخط العربي، والمنمنمات، والحفر على الخشب، وصناعة المجوهرات. هذه المبادرات ساهمت في نقل المهارات المتوارثة إلى جيل جديد، لتظل ورش العمل في مرادخاني شاهدة على استمرارية الإبداع.
يختتم الحرفيون في مرادخاني يومهم مدركين أن بقاء هذه الحرف لا يقل أهمية عن صيانة الجدران العتيقة، فالتراث في نظرهم هو مزيج من المهارات والمعرفة التي تناقلتها الأجيال، وهو ما يجعل مرادخاني اليوم رمزاً لصمود كابل أمام تحولات الزمن.


