في مخيم كرياري للاجئين السودانيين بشرق تشاد، توقفت نبضات الحياة في المطبخ الجماعي الذي كان يمثل طوق النجاة الوحيد لآلاف الأسر. هذا الانهيار لم يكن مجرد توقف لخدمة إغاثية، بل إعلاناً عن سقوط آخر خط دفاع يحمي النازحين من براثن الجوع المحدق.
تحت سقف أحد المساجد، اجتمع متطوعو غرفة الطوارئ، وهي لجنة محلية شكلها اللاجئون لإدارة شؤونهم، في محاولة يائسة لمناقشة تداعيات نفاد المخزون الغذائي. يقول أحد المتطوعين بحسرة: لم يعد لدينا طعام لنطبخه بعد اليوم. كنا نطبخ لآلاف الأسر، واليوم لا نجد حتى كيس ذرة واحد لنبدأ به.
شريان حياة مهدد بالانقطاع
يوضح صدام أبكر الصافي، ممثل غرفة طوارئ كرياري، أن المطبخ كان يقدم وجبات يومية لآلاف العائلات، مشيراً إلى أن المبادرة كانت تعتمد على جهود متطوعين وناشطين محليين، حيث تولى 25 متطوعاً مهام الطهي والتوزيع، بما في ذلك إيصال الطعام إلى كبار السن والمرضى العاجزين عن الوصول إلى مراكز التوزيع.
أزمة تمويل خانقة
يأتي توقف المطبخ في ظل ظروف إنسانية بالغة التعقيد، حيث حذرت الأمم المتحدة من عجز تمويلي كبير دفع برنامج الأغذية العالمي إلى تقليص الحصص الغذائية. وفي مخيم كرياري، الذي يضم قرابة 7 آلاف أسرة، تفاقمت المعاناة نتيجة انقطاع الدعم المالي الذي كان يأتي من مبادرات فردية ومغتربين.
أصوات من قلب المعاناة
تقول سعدية يوسف عبد الله، عضو غرفة طوارئ كرياري: المطابخ الجماعية لم تكن مجرد وجبات، بل كانت رسالة أمل. كنا نملك سجلاً دقيقاً بالحالات الإنسانية، من مرضى ومعاقين، لنضمن ألا يبقى أحد جائعاً.
ولا تقتصر الأزمة على الغذاء فحسب، بل تمتد لتشمل أزمة مياه حادة، حيث تخدم الآبار المتاحة أعداداً تفوق طاقتها بستة أضعاف، مما يجعل المياه بالكاد تكفي للشرب، فضلاً عن الاحتياجات الأخرى.
استغاثة عاجلة
يؤكد المتطوعون أن المطابخ أنقذت أرواحاً لا حصر لها خلال العامين الماضيين، محذرين من كارثة إنسانية وشيكة في حال عدم التدخل الفوري. وطالب ممثلو المخيم المنظمات الدولية والجهات المانحة بتقديم استجابة عاجلة لا تقتصر على الطوارئ، بل تمتد لتمكين اللاجئين من مقومات الحياة الأساسية.
يبقى التساؤل الملح يطارد آلاف الأسر في كرياري: كم يوماً يمكن أن يصمد هؤلاء أمام الجوع قبل أن تتحول الأزمة إلى مأساة لا يمكن تداركها؟


