في ظل تداعيات الحرب المستمرة في اليمن، يجد الفنانون التشكيليون أنفسهم في مواجهة مباشرة مع ظروف معيشية قاسية، حيث تحولت الريشة التي كانت يوماً أداة للتعبير عن الجمال، إلى وسيلة مثقلة بهموم تأمين القوت اليومي. يعكس حال الفنان شهاب المقرمي (56 عاماً)، الذي اضطر لبيع لوحاته بنصف ثمنها أو أقل لتغطية احتياجات أسرته المكونة من ستة أبناء، واقعاً مريراً يعيشه المبدعون في البلاد.
انهيار السوق الفني وتلاشي بيوت الفن
يؤكد المقرمي، وهو موظف حكومي، أن الفن في اليمن يمر بأسوأ مراحله التاريخية، مشيراً إلى أن انعدام القدرة الشرائية وغياب الاهتمام المجتمعي بالفن في ظل الحروب أديا إلى انحسار قيمة اللوحة التشكيلية. ولا يقتصر هذا المعاناة على المقرمي وحده، بل تمتد لتشمل أجيالاً من الفنانين الذين فقدوا منصات عرض أعمالهم بعد إغلاق معظم بيوت الفن التي كانت تمثل شريان الحياة للحركة التشكيلية.
وتشير الإحصائيات إلى تدهور حاد في البنية التحتية الثقافية؛ فبعد أن كانت وزارة الثقافة تدير 17 بيتاً للفن في مختلف المحافظات بحلول عام 2014، أُغلقت معظم هذه المراكز. وفي مناطق سيطرة الحوثيين، لم يتبق سوى بيتي الفن في صنعاء وذمار، بينما تعاني المراكز في المناطق الأخرى من التعثر أو الإغلاق التام، مما حرم الفنانين الشبان من مساحات التدريب والتطوير.
استنزاف الموروث البصري
من جانبه، حذر الفنان حكيم العاقل، نقيب الفنانين التشكيليين سابقاً، من أن الحرب لم تكتفِ بإرهاق الفنانين، بل طالت الذاكرة البصرية للوطن. واعتبر العاقل أن تهميش الفنون وإلغاء الفعاليات التشكيلية أدى إلى تفكيك التجمعات الفنية، مما أفقد المجتمع متكأه الجمالي.
يقول العاقل: تآكل الأمان المعيشي للإبداع يهدد باستنزاف الموروث البصري والثقافي للبلاد. الكثير من الفنانين هاجروا، ومن بقي منهم اضطر لترك الفن والبحث عن مهن أخرى كالتدريس أو الحرف اليدوية لتأمين حياة كريمة.
الفن في مواجهة لقمة العيش
تتعدد قصص الفنانين الذين اضطروا للتخلي عن شغفهم، حيث يروي فنان تشكيلي من عدن، يُدعى أبو سعيد (45 عاماً)، كيف أجبرته الظروف الاقتصادية على هجر المرسم والتوجه للتدريس في المدارس الخاصة، مؤكداً بمرارة: الفن لا يؤكل عيش في هذه الظروف.
وتؤكد الفنانة التشكيلية إلهام العرشي، الأستاذة بجامعة عدن، أن حماية الفن مسؤولية مؤسسية لا ينبغي أن تُترك على عاتق الفنان وحده، خاصة في ظل وجود تقديرات تشير إلى وجود نحو 3000 فنان وفنانة يواجهون اليوم مصيراً مجهولاً.
دعوات لإعادة ترتيب البيت الفني
يرى الكاتب المتخصص في الشأن الثقافي، أحمد الأغبري، أن الحرب كشفت هشاشة البنية المؤسسية للفنون في اليمن. ويؤكد الأغبري أن الفنانين كانوا في مقدمة ضحايا الحرب، حيث فقدوا مراكزهم ومعارضهم وجمهورهم، مما دفعهم دفعاً نحو الانزواء أو الهجرة.
ويختتم الأغبري بدعوة صريحة للتشكيليين اليمنيين بضرورة التنظيم النقابي، لإيجاد مظلة قادرة على استعادة البيئة الثقافية، وإعادة تهيئة الساحة الفنية التي تضررت بفعل سنوات الصراع، لضمان استمرار الفن كمرآة عاكسة للهوية اليمنية.


