هل سرق ماكس فيبر إنجازات البيروني؟.. جدل أكاديمي حول استعمار الأفكار

هل سرق ماكس فيبر إنجازات البيروني؟.. جدل أكاديمي ح

تقاربٌ أم انتحال؟

لطالما نُظر إلى أبي الريحان البيروني كأحد أعمدة الفكر الاجتماعي قبل قرون من تبلور علم الاجتماع الحديث، غير أن دراسة حديثة لعالم الاجتماع التركي، الأستاذ الدكتور مصطفى أورتشان، تضع البيروني في مواجهة مباشرة مع مؤسس علم الاجتماع التفهّمي ماكس فيبر، متسائلةً عما إذا كان الأخير قد استقى أفكاره حول نظام الطبقات في الهند من البيروني دون الإشارة إليه.

تستند هذه الإشكالية إلى المقارنة بين كتاب البيروني الشهير تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة (1030م)، ودراسة فيبر الهندوسية والبوذية (1916-1917م). إذ يرى أورتشان أن التشابه بين الطرحين يتجاوز المصادفة العلمية، خاصة في وصف التراتبية الاجتماعية، تقسيم المهن، وقواعد الزواج والطعام في المجتمع الهندي.

الاحتمال الثاني هو الأكثر خطورة: أن يكون فيبر قد اطّلع على كتاب البيروني واستفاد منه، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، لكنه لم يذكر اسمه. ويتطلب إثبات ذلك بحثا تفصيليا في ملاحظات فيبر ورسائله وسجلات المكتبات التي استخدمها والمصادر الهندولوجية التي اعتمد عليها.

تفوق المنهجية الميدانية

تميز البيروني في دراسته للهند بكونه باحثاً ميدانياً؛ فقد تعلّم السنسكريتية، واختلط بعلماء الهند، وقرأ نصوصهم المقدسة، مما منحه فهماً عميقاً للمجتمع من الداخل. في المقابل، اعتمد فيبر في أبحاثه على المصادر الثانوية، والتقارير الاستعمارية، والنصوص المترجمة، دون أن يزور الهند أو يتقن لغتها.

رغم ذلك، يرى النقاد أن تجاهل فيبر للبيروني -الذي كان عمله متاحاً في الأوساط الأكاديمية الأوروبية منذ أواخر القرن التاسع عشر بفضل ترجمة المستشرق إدوارد زاخاو- يطرح تساؤلات حول المركزية الأوروبية في العلوم الاجتماعية، حيث يتم تجاهل التراث المعرفي غير الغربي أو انتزاعه من سياقه ونسبته للمؤسسين الغربيين.

إشكالية استعمار الأفكار

لا تتوقف القضية عند اتهام فيبر بالانتحال، بل تمتد لتشمل استعمار الأفكار؛ حيث تُنتزع المعرفة من مصادرها الأصلية، ويُعاد تدويرها باسم جديد، مما يجعل الحضارة المنتجة لتلك المعرفة غير مرئية في التاريخ العلمي الرسمي.

إذا كان فيبر لا يعرف البيروني، فإن ذلك يكشف جهلا خطيرا وانغلاقا داخل العلوم الاجتماعية الأوروبية. أما إذا كان يعرفه واستفاد منه، ثم لم يُشِر إليه، فإن المسألة تتحول إلى مشكلة أكاديمية ومعرفية أشد خطورة.

إن إعادة طرح هذه القضية اليوم تهدف إلى استكمال الصفحات الناقصة في تاريخ الفكر الاجتماعي، وإثارة تساؤلات جوهرية حول نزاهة المصادر الأكاديمية، ولماذا غُيب اسم العالم المسلم الذي أرسى قواعد هذا العلم قبل تسعة قرون من بزوغ شمس سوسيولوجيا فيبر.

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص