في ظل تعقيدات المشهد الدولي الراهن وتداعيات الصراع الروسي الأوكراني، جاء لقاء الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بنظيره الصيني شي جين بينغ يوم الأربعاء 23 سبتمبر/أيلول، ليمثل محطة مفصلية في العلاقات بين القوتين الأعظم. ورغم أن الزيارات الرسمية تخضع لبروتوكولات دقيقة تهدف لترسيخ توازنات القوى، إلا أن جوهر الصراع الصيني الأمريكي يتجاوز حدود البروتوكول الدبلوماسي ليشمل قراءة أعمق في مستقبل النظام الدولي.
مفارقة الصعود والصدام
يسود اعتقاد لدى العديد من المحللين بأن الصدام بين الولايات المتحدة والصين أمر حتمي، استناداً إلى نظريات العلاقات الدولية التي تفسر الحروب الكبرى كناتج حتمي للمنافسة بين قوة مهيمنة وأخرى صاعدة. لكن هذا الطرح قد يغفل المتغير الأهم: طبيعة الصين التي يجب أن تخشاها واشنطن.
الصين التي يجب أن تخشاها الولايات المتحدة الأمريكية ليست هي الصين التي تستفيد من النظام العالمي الحالي، وينمو اقتصادها نموا عاليا بسبب مساهمتها فيه، وإنما الصين التي تواجه مستقبلا مشاكل اقتصادية وسياسية عميقة ترى من خلالها أن النظام الحالي يكبلها أكثر مما يفيدها.
لماذا تختلف الصين عن القوى التاريخية؟
تختلف التجربة الصينية عن صعود القوى الدولية السابقة (مثل ألمانيا واليابان قبل الحربين العالميتين)؛ حيث نجحت بكين في الاندماج في النظام الاقتصادي العالمي منذ سبعينيات القرن الماضي، محققةً قفزات تنموية هائلة انتشلت ملايين المواطنين من الفقر. لقد استفادت الصين من النظام الدولي، مما يجعلها حالياً حريصة على استقراره ما دام يخدم مصالحها القومية.
وعلى الرغم من تبني واشنطن سياسات تجارية حمائية، أظهرت بكين صبراً إستراتيجياً يعكس فهمها لمقولة سون تزو: أسمى فنون الحرب إخضاع العدو دون قتال. وبدلاً من المواجهة العسكرية، اختارت الصين تعزيز نفوذها عبر الاقتصاد والتكنولوجيا، مستغلةً انشغال الولايات المتحدة بحروب مستنزفة للموارد في أفغانستان والعراق ومناطق أخرى.
الخطر الحقيقي: حين يضعف التنين
تكمن الخطورة الحقيقية في تحول السلوك الصيني إذا ما واجهت بكين أزمات اقتصادية وسياسية داخلية حادة. في مثل هذه الحالة، قد تجد الحكومة الصينية نفسها مضطرة لتبني سياسة خارجية عدوانية لصرف الانتباه عن الداخل وحشد الدعم القومي، وهو ما قد يدفعها لمحاولة تغيير قواعد النظام الدولي بالقوة.
بكين لا ترى نفسها في سباق قصير المدى مع الولايات المتحدة الأمريكية، وإنما تخوض معركة تاريخية طويلة يعينها في ذلك صبرها الإستراتيجي وتاريخها التليد في التعامل مع التحديات الدولية.
ختاماً، تظل الصين اليوم لاعباً أساسياً في استقرار النظام العالمي طالما وجدت فيه مصلحة اقتصادية. أما التهديد الوجودي للنظام الدولي، فلا يكمن في قوة الصين الصاعدة، بل في اللحظة التي قد تشعر فيها بكين أن ضعفها الداخلي يجعلها في حلٍ من التزاماتها الدولية، وهو السيناريو الذي يجب أن يثير قلق واشنطن الحقيقي.


