في ظل التطورات المتسارعة التي شهدتها الأيام الأخيرة، تمكنت جماعة الحوثي من السيطرة على مساحات شاسعة من الأراضي اليمنية، بما في ذلك جزر استراتيجية وأجزاء حيوية من سواحل البحر الأحمر، مما عزز قبضتها على مضيق باب المندب، وهو أحد أهم الممرات المائية العالمية لإمدادات الطاقة والشحن.
وعلى الرغم من عقد مسؤولين أمريكيين اجتماعات مع ممثلين عن الجماعة في العاصمة العمانية مسقط، إلا أن الموقف الأمريكي بدا متحفظاً، حيث قدم الحوثيون ضمانات بعدم استهداف السفن الأمريكية، قاصرين تهديداتهم على السفن المرتبطة بالمملكة العربية السعودية. ومع ذلك، يرى الخبراء أن هذه التطمينات تثير تساؤلات جوهرية حول مدى مصداقيتها، خاصة في ظل تاريخ الجماعة في استهداف الملاحة وعلاقاتها الوثيقة بإيران.
ضغوط التدخل وموقف واشنطن
كشفت تقارير إعلامية أن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان أجرى اتصالات مكثفة مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لحثه على توجيه ضربات عسكرية للجماعة، إلا أن الطلب قوبل بالرفض. وفي المقابل، قام قائد القيادة المركزية الأمريكية بزيارة عاجلة إلى الرياض للتنسيق، في خطوة فُسرت على أنها محاولة لتعزيز الدعم الدفاعي دون الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة.
وفي هذا السياق، يرى مراقبون أن واشنطن تفتقر حالياً إلى القدرة أو الرغبة في فتح جبهة جديدة في اليمن، لا سيما مع استنزاف الموارد العسكرية الأمريكية في الصراع الدائر مع إيران، وتصاعد المعارضة الداخلية ضد الحروب الأبدية قبل أشهر من انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر.
تداعيات استراتيجية وتغير في التحالفات
أدى التردد الأمريكي إلى إثارة مخاوف الرياض بشأن فعالية الضمانات الأمنية التقليدية، مما دفع المملكة إلى تسريع وتيرة تنويع شراكاتها الدفاعية. فقد وقعت السعودية مؤخراً اتفاقيات دفاع مشترك مع باكستان وتركيا، في محاولة لتقليل الاعتماد على المظلة الأمنية الأمريكية التي أثبتت أحداث السنوات الأخيرة محدوديتها.
من جانبه، أشار سيمون مابون، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة لانكستر، إلى أن واشنطن تعاني من غياب استراتيجية كبرى للتعامل مع أزمات المنطقة، مؤكداً أن التكلفة الاقتصادية والسياسية لأي انخراط عسكري جديد في اليمن قد تكون باهظة للغاية بالنسبة لإدارة الرئيس ترامب، خاصة في ظل التقارير التي تتحدث عن نقص في الذخائر الاستراتيجية الأمريكية نتيجة استمرار الصراع مع إيران.
وخلص الخبراء إلى أن استمرار التوتر في مضيق باب المندب لا يشكل تهديداً لأمن الطاقة العالمي فحسب، بل يضع حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة في موقف حرج، مما قد يعيد تشكيل خارطة التحالفات الأمنية في الشرق الأوسط بشكل دائم.


