نظام عالمي متعدد الأقطاب: هل تمنح القوى الوسطى مزيداً من النفوذ على حساب الأمن؟

نظام عالمي متعدد الأقطاب: هل تمنح القوى الوسطى مزي

في قمة منظمة شنغهاي للتعاون التي عُقدت مؤخراً في بيشكيك، تلقى الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان دعماً سياسياً صريحاً، حيث أدانت المنظمة الهجمات العسكرية ضد طهران، واصفة إياها بانتهاك للقانون الدولي وسيادة الدولة، مع الدعوة لحل النزاعات عبر القنوات الدبلوماسية. إلا أن هذا التضامن السياسي لم يترجم إلى التزام بالدفاع الجماعي، وهو فارق جوهري يكشف ملامح النظام الدولي الناشئ.

تغير قواعد اللعبة الدولية

لسنوات، ساد اعتقاد بأن النظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة سيواجه تحدياً من تكتلات بديلة مثل بريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون. وبالنسبة للقوى الوسطى، بدا الانضمام لهذه المؤسسات وسيلة لتقليل الاعتماد على الغرب وتجنب الضغوط. لكن الأحداث الأخيرة أثبتت أن هذه الشراكات لا توفر ضمانات أمنية تضاهي التحالفات العسكرية التقليدية.

بدلاً من استبدال نظام تحالف بآخر، يشهد العالم تشكّل شبكة معقدة من الشراكات المتداخلة، حيث تكتسب الدول خيارات دبلوماسية واقتصادية واسعة، لكنها تفقد اليقين بشأن من سيقف بجانبها في حال تعرض أمنها القومي لتهديد وجودي.

تركيا والبرازيل: استراتيجية تجنب الانحياز

تعد تركيا نموذجاً بارزاً لهذا النهج؛ فهي عضو في حلف الناتو، لكنها لا تلتزم بالاصطفاف السياسي التلقائي مع واشنطن. فقد حافظت أنقرة على علاقاتها مع روسيا، ووسعت تعاونها مع الصين، وشاركت في منظمة شنغهاي، مما يمنحها مرونة في المناورة دون التخلي عن المظلة الأمنية للناتو.

من جانبها، ترفض البرازيل مبدأ الاصطفاف الاستراتيجي التلقائي رغم موقعها الجغرافي. فمشاركتها في بريكس وعلاقاتها الاقتصادية مع الصين لا تمنعها من الحفاظ على علاقات سياسية واقتصادية متوازنة مع الولايات المتحدة وأوروبا، وهو ما يعكس هدفاً استراتيجياً يتمثل في القدرة على التعاون مع الجميع، والاختلاف مع أي منهم.

تعدد الأقطاب: المزيد من الخيارات.. والمسؤولية

إن صعود مراكز نفوذ بديلة قلل من تكلفة قول لا للضغوط الدولية. فالحكومة التي تختلف مع واشنطن يمكنها تعميق علاقاتها مع بكين دون أن تصبح حليفاً كاملاً لها، والعكس صحيح. وتتجلى هذه السياسة في نهج الهند التي تشارك في الرباعية (Quad) مع الولايات المتحدة، بينما تظل عضواً فاعلاً في بريكس ومنظمة شنغهاي.

كذلك تتبع دول مجلس التعاون الخليجي (السعودية، قطر، الإمارات) استراتيجية تنويع الشركاء، حيث توازن بين الاعتماد الأمني على الولايات المتحدة وتوسيع العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية مع القوى الآسيوية الصاعدة.

خلاصة المشهد

تؤكد المعطيات الحالية أن النظام الدولي لا يتجه نحو استقطاب ثنائي حاد، بل نحو مشهد أكثر سيولة يعتمد على شراكات انتقائية وعلاقات تبادلية. وفي حين تمنح هذه المرونة القوى الوسطى والصغيرة هامشاً أكبر للمناورة وحرية القرار، فإنها في الوقت ذاته تضع على عاتقها مسؤولية أكبر لتأمين نفسها، حيث تظل الضمانات الأمنية الصارمة نادرة في عالم يفضل فيه الشركاء تقديم الدعم السياسي والاقتصادي، مع تجنب الانخراط في النزاعات العسكرية المباشرة.

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص