في خطوة استراتيجية تهدف إلى تعزيز الروابط العلمية والمعرفية، بدأت تركيا والعالم العربي مرحلة جديدة من التعاون الأكاديمي، تتجاوز العلاقات التقليدية لتؤسس لشراكة مؤسسية دائمة في مجالات البحث العلمي والتعليم العالي.
نقلة نوعية في التعاون العلمي
شهدت العاصمة التركية أنقرة في 2 سبتمبر/أيلول الجاري اجتماعاً تشاورياً رفيع المستوى، جمع رئيس مجلس التعليم العالي التركي، البروفيسور الدكتور إرول أوزفار، مع ممثلي جامعة الدول العربية وسفراء عدد من الدول العربية. ويهدف هذا التحرك إلى تفعيل حركة تبادل الطلاب والأكاديميين والباحثين، وتطوير برامج مشتركة للبكالوريوس والدراسات العليا، إضافة إلى إنشاء مراكز بحثية وشبكات علمية متخصصة.
أولويات البحث والابتكار
حدد الجانبان قائمة من المجالات الحيوية التي ستكون محوراً لهذا التعاون، وهي قضايا تمس مستقبل المنطقة وتحدياتها الراهنة، وتشمل:
- الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي.
- العلوم الصحية والهندسة.
- الطاقة المتجددة والموارد المائية.
- الأمن الغذائي والزراعة.
- مواجهة تداعيات تغير المناخ.
أظهرت تجربة إيراسموس في أوروبا كيف يمكن للحركة الجامعية أن تترك أثرا يتجاوز التعليم نفسه، فتُنتج معرفة متبادلة وشبكات بشرية طويلة الأمد. وليس ثمة ما يمنع تركيا والعالم العربي من تطوير نموذج خاص بهما، أكثر ملاءمة لحاجاتهما وأقرب إلى واقعهما.
استدامة الشراكة
ولضمان تحويل هذه الرؤى إلى واقع ملموس، تقرر اتخاذ خطوات عملية لضمان الاستمرارية، أبرزها:
- عقد منتدى التعليم العالي التركي-العربي بشكل دوري كل عامين، بالتناوب بين تركيا والدول الأعضاء في جامعة الدول العربية.
- تشكيل مجموعة عمل مشتركة تضم ستة أعضاء (ثلاثة من كل طرف) تتولى إعداد خطط العمل وتحديد الأولويات والجداول الزمنية للتنفيذ.
- تحويل الأبحاث من مجرد دراسات مخبرية إلى تقنيات تطبيقية وقدرات إنتاجية تخدم التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
تجاوز الأرقام نحو التكامل
لا تسعى تركيا من خلال هذه المبادرة إلى مجرد زيادة أعداد الطلاب الدوليين، الذين يقترب عددهم في الجامعات التركية من 380 ألف طالب، بل تهدف إلى خلق نموذج قائم على الحركة المتبادلة وتقاسم الإمكانات البحثية. إن هذا التوجه يهدف إلى استعادة التاريخ المشترك الذي جعل من مدن مثل إسطنبول والقاهرة وبغداد ودمشق مراكز إشعاع علمي متصلة في فضاء واحد، عبر بناء قنوات حديثة تناسب متطلبات العصر.
المجالات المقترحة للتعاون هي من صميم القضايا التي ستحدد مستقبل المنطقة: الذكاء الاصطناعي، والعلوم الصحية، والهندسة، والطاقة المتجددة، والموارد المائية، والزراعة، والأمن الغذائي، وتغير المناخ، والتحول الرقمي.
إن نجاح هذه المبادرة مرهون بمدى قدرة الجامعات على تحويل هذه الشراكات إلى برامج عمل فعلية، تسهم في تعزيز قدرات المنطقة على مواجهة التحديات المشتركة، وتحويل الروابط التاريخية والإنسانية إلى رصيد علمي مؤسسي مستدام.


