في مشهدٍ يعكس التحولات الجيوسياسية المتسارعة، اجتمع قادة الصين وروسيا والهند في بيشكيك ضمن قمة منظمة شنغهاي للتعاون، بحضور الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان. القمة التي انعقدت بعد أسبوع واحد فقط من إعلان واشنطن حزمة عقوبات جديدة ضد طهران، كشفت عن فجوة عميقة بين الطموحات الأمريكية في فرض العزلة والواقع الدولي الذي يرفض الاستجابة لهذه الضغوط.
عقوبات بلا أنياب
لا تكتفي الصين بدعم إيران، بل تعمل كشريان حياة لاقتصادها عبر شراء 90% من صادرات النفط الإيرانية. وتعتمد بكين في ذلك على شبكة معقدة من الأساطيل المظلمة والمصافي الخاصة الصغيرة، متجاوزةً بذلك القيود الأمريكية. وتؤكد وزارة الخارجية الصينية باستمرار أن بكين ستتخذ كل ما يلزم لحماية حقوقها ومصالحها، مدفوعةً بانعدام ثقتها في فعالية السياسات الأمريكية التي تراها عقوبات بلا أنياب.
تتمتع الشركات والمصارف الصينية بحماية ذاتية من العقوبات الأمريكية الثانوية؛ حيث يتم تسوية معظم المعاملات بالعملة الصينية (اليوان) أو عبر نظام المقايضة، مما يجعلها خارج نطاق الولاية القضائية الأمريكية. أما الشركات التي لا تزال تتعامل بالدولار، فهي تعمل من خلال طبقات متعددة من الشركات الوهمية التي يسهل استبدالها، مما يحول محاولات واشنطن لفرض العقوبات إلى لعبة قط وفأر لا تنتهي.
حسابات المصالح: لماذا لا يمكن لإيران أن تخسر؟
تدرك بكين أن هزيمة إيران تعني عودة الشرق الأوسط بالكامل إلى المدار الأمريكي، وهو ما يهدد النفوذ الصيني المتنامي في المنطقة. إن سيطرة واشنطن على أمن الطاقة في الخليج، حيث تستورد الصين 40% من احتياجاتها النفطية، ستضع شريان الحياة الاقتصادي لبكين تحت رحمة القرار الأمريكي.
ومع ذلك، تتبنى الصين سياسة المسافة المحسوبة؛ فهي لا تسعى لتعميق تحالفها مع طهران إلى حد إثارة غضب دول الخليج، ولا ترغب في دفع المنطقة نحو هيمنة إيرانية مطلقة قد تضر بتوازناتها الدبلوماسية. هذا التوازن ظهر جلياً في قمة شنغهاي، حيث اقتصر اللقاء مع بزشكيان على مستويات دبلوماسية دون لقاء رسمي مع القمة الصينية، في رسالة مفادها: نحن ندعمكم، لكننا نحتفظ بمسافة آمنة.
التوازن الهش مع واشنطن
تضع بكين علاقتها مع الولايات المتحدة كأولوية قصوى، وهو ما انعكس في التنسيق رفيع المستوى بين الجانبين لتجنب الانزلاق إلى صدام مباشر. وفي هذا السياق، التزمت الصين الحياد فيما يتعلق بالصراع العسكري، وتعهدت بعدم إرسال أسلحة إلى إيران، وهو الموقف الذي قوبل بتقدير علني من الجانب الأمريكي.
في نهاية المطاف، تجد واشنطن نفسها أمام مأزق ناتج عن عقلية الهيمنة، بينما تواصل الصين المضي قدماً في حماية مصالحها الاستراتيجية، معتبرة أن أي تصعيد إضافي ضدها سيواجه برد مماثل، وهو خيار لا يبدو أن الاقتصاد الأمريكي المنهك قادر على تحمله في الوقت الراهن.


