في ظل التحديات المناخية المتزايدة التي تواجهها الجزائر صيفاً، ومع تكرار مشاهد حرائق الغابات التي تخلف خسائر بشرية ومادية فادحة، برزت توجهات علمية حديثة تسعى للانتقال من مرحلة رد الفعل إلى الوقاية الاستباقية. وتعتمد هذه الدراسات على رسم خرائط المخاطر التي تحدد بدقة المناطق الأكثر عرضة للاشتعال بناءً على معايير علمية دقيقة.
المنطق الضبابي: كشف مكامن الخطر في جبل الوحش
ركزت دراسة أجراها باحثون من جامعة أم البواقي على منطقة جبل الوحش بقسنطينة، حيث اعتمدوا على تقنية المنطق الضبابي لدمج عوامل متعددة، تشمل الغطاء النباتي الكثيف، التضاريس الجبلية، درجات الحرارة، والنشاط البشري. وبدلاً من التصنيف الثنائي التقليدي (آمن/خطر)، تتيح هذه التقنية تقييم درجات متفاوتة من المخاطر بناءً على تداخل العوامل.
وأوضحت النتائج أن المناطق الأكثر خطورة هي تلك التي تجتمع فيها التضاريس المنحدرة مع كثافة نباتية عالية وقرب من التجمعات السكانية. ولا يهدف هذا النموذج إلى التنبؤ بلحظة اندلاع الحريق، بل يوفر خريطة استعداد تُمكّن السلطات من توجيه جهود المراقبة والتخطيط العمراني بشكل أكثر فاعلية.
الذكاء الاصطناعي ونماذج التعلم الآلي في ولاية الطارف
وفي سياق متصل، تبنى باحثون من جامعة العلوم والتكنولوجيا بالجزائر العاصمة نهجاً أكثر شمولاً في ولاية الطارف، مستخدمين الذكاء الاصطناعي لتحليل بيانات تمتد لثلاثة عقود (1995-2024). اعتمدت الدراسة على 10 عناصر متغيرة تشمل طبيعة التربة، محتوى الكربون العضوي، سرعة الرياح، ومعدلات الأمطار.
ومن خلال تطبيق نماذج التعلم الآلي، وتحديداً نموذج راندوم فورست (Random Forest)، تمكن الباحثون من تحديد الأسباب الجوهرية التي تجعل منطقة ما أكثر عرضة للحريق من غيرها. وقد خلصت الدراسة إلى أن الارتفاع عن سطح البحر ونوع الغطاء النباتي يلعبان دوراً محورياً في تحديد رقعة الخطر.
الوقاية كنهج استراتيجي
وفي تعليقه على هذه النماذج العلمية، يؤكد الدكتور مجدي علام، مستشار برنامج المناخ العالمي، أن تجاوز فكرة الحرارة كسبب وحيد للحريق يعد نقلة نوعية في إدارة الكوارث. ويشدد علام على أن استيعاب التداخل بين المناخ والجغرافيا والنشاط البشري يمنح الدول أداة قوية لتطبيق مبدأ الوقاية خير من العلاج، خاصة وأن قدرات الإطفاء مهما بلغت لا يمكنها السيطرة على الحرائق الكبرى بمجرد خروجها عن النطاق المحدود.


