نهاية بلا عدالة حقيقية
تصدر خبر وفاة مجرم الحرب راتكو ملاديتش عناوين الصحف العالمية تحت مسمى وفاة سفاح البوسنة في لاهاي، في إيحاء ضمني بأن العدالة قد أخذت مجراها. لكن الحقيقة المرة هي أن شيئاً لم يتغير منذ 22 نوفمبر 2017، حين أصدرت المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة حكماً بالسجن مدى الحياة بحقه بتهم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية؛ ولن يتغير شيء الآن بعد رحيله.
خلافاً لما قد يعتقده البعض، لن يصبح العالم مكاناً أفضل بوفاته. لقد رحل ملاديتش وهو يرى العالم يغرق في مستنقع الفاشية، حيث باتت الإبادة الجماعية ممارسة طبيعية ومقبولة، وهو في جوهر الأمر ما قاتل من أجله.
إرث الفاشية: من البوسنة إلى العالم
لقد أثبتت الأيام أن أفكار ملاديتش لم تُهزم، بل انتشرت كفيروس مقاوم للأدوية، يتكيف مع الظروف المتغيرة. ويتجلى ذلك بوضوح في منطقة البلقان، حيث لا يزال النظام الحاكم في صربيا يعتمد في بقائه على أيديولوجية الإنكار، وتتغذى سلطة الرئيس ألكسندر فوتشيتش على نكران المسؤولية عن جرائم التسعينيات في كرواتيا والبوسنة وكوسوفو.
أما في البوسنة، التي مزقتها اتفاقية دايتون، فلا تزال الدولة تعاني من الانقسام؛ حيث تحولت الإبادة الجماعية إلى سياسة رسمية في جمهورية صرب البوسنة، ولا يزال العديد من المتورطين في جرائم الحرب يعيشون أحراراً دون محاسبة.
صوت الضمير في وجه الإنكار
رغم قبضة الفاشية، برزت أصوات للمقاومة. فقد نشرت منظمة أوسترا نولا (Ostra Nula)، وهي منظمة غير حكومية أسسها شباب صرب في بانيا لوكا، بياناً قوياً فور إعلان الوفاة جاء فيه:
راتكو ملاديتش، القائد السابق لجيش جمهورية صرب البوسنة ومدان بجرائم حرب، مات. لن نحد عليه، ولن نمجده. الموت لا يمحو الأحكام، ولا يمحو الحقائق الثابتة، ولا يمحو المسؤولية.
لم تكن أوسترا نولا الصوت الوحيد؛ فقد انضمت مجلات ومجموعات شبابية أخرى كـ بوكا وكفارت لإدانة الاحتفالات بتمجيد المجرمين، مؤكدة أن أصحاب الضمائر لن يتوقفوا عن المطالبة بالاعتراف بالمسؤولية الأخلاقية.
هل نعيش في حلم ملاديتش؟
تتجاوز ظاهرة الفاشية حدود البلقان لتشمل العالم اليوم: من إنكار الإبادة الجماعية بحق الفلسطينيين، إلى تجاهل الجرائم في السودان وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وصولاً إلى لا مبالاة العالم تجاه اللاجئين، وتصاعد نفوذ السياسيين اليمينيين المتطرفين، وتوسيع نطاق المراقبة الجماعية والإنفاق العسكري.
هذا هو العالم الذي حلم به ملاديتش، وقد عاش ليرى ملامحه تتشكل. والسؤال الذي يواجه البشرية اليوم هو: هل هذا هو العالم الذي نريد العيش فيه حقاً؟ إن الناجين من الإبادة الجماعية يصرخون في وجه العالم ليستيقظ قبل فوات الأوان، فهل من مجيب؟


