خارج المركزية.. كيف أعادت الأغنية الشعبية السورية صياغة الهوية بعيداً عن دمشق وحلب؟

خارج المركزية.. كيف أعادت الأغنية الشعبية السورية

تعاني الأغنية الشعبية السورية من تهميش طويل الأمد في الساحة الفنية، حيث يطرح المشهد الثقافي تساؤلات جوهرية حول اختفاء أنماط غنائية وأصوات طربية أصيلة من الواجهة الإعلامية، في ظل هيمنة ثقافة المركز التي اختزلت الهوية السورية في نموذجي دمشق وحلب.

تتجلى هذه الإشكالية في قصة المطرب الراحل فؤاد غازي، ابن ريف حماة، الذي لقبه وديع الصافي بـملك العتابا. ورغم القاعدة الجماهيرية العريضة التي حظي بها، إلا أنه ظل حبيس تصنيف مطرب أعراس، مما يعكس فجوة عميقة بين الموهبة والاعتراف الرسمي المرتبط بالجغرافيا.

بنية التهميش: من المركز إلى الأطراف

تعود جذور هذه الظاهرة إلى مرحلة ما بعد الاستقلال عام 1946، حيث أُسست الدولة على مركزية دمشق وحلب، بينما عوملت مناطق كـالجزيرة وسهل الغاب والفرات وحوران كأطراف تابعة. ويشير المؤرخ حنا بطاطو في كتابه فلاحو سوريا إلى أن التهميش كان بنية اجتماعية واقتصادية، حيث حُرم الريف من كونه شريكاً في إنتاج الهوية الوطنية، ليظل فضاءً تابعاً لنموذج المدينة.

هذا التقسيم انتقل إلى المجال الفني؛ إذ صُنفت الموشحات والقدود الحلبية كـغناء راقٍ وواجهة حضارية، بينما ظلت العتابا والموليا وأغاني الحصاد خارج الاعتراف. وقد كرست إذاعة دمشق منذ 1947 هذا التوجه، حيث عملت على تهذيب اللهجات المحلية لتناسب الذائقة المدينية، وصولاً إلى مرحلة الستينيات التي سعت لقولبة الفن السوري ضمن إطار رسمي موحد.

تحديات الهوية والتعدد الثقافي

لم يقتصر التهميش على الأغنية الريفية، بل طال المكونات الثقافية الأخرى. فالأغنية الكردية واجهت سياسات تعريب قاسية منعت وصولها إلى الإعلام، وظلت أصواتها محبوسة داخل جغرافيتها المحلية. وفي السويداء، حاول فنانون مثل فهد بلان تقديم روح الغناء الحوراني والبدوي بقالب قابل للانتشار، في محاولة للتحايل على قيود المركزية الصارمة.

ثورة الكاسيت والانتشار

مع ظهور ثورة الكاسيت في أواخر السبعينيات، انكسر احتكار الدولة للمشهد الموسيقي، حيث أتاحت هذه التقنية تسجيل وتوزيع الأغاني الشعبية والدبكات بعيداً عن الرقابة الرسمية. ومن رحم هذه التحولات، برزت أسماء مثل جورج وسوف الذي انطلق من حمص، لتتوسع التجربة لاحقاً في الألفينات عبر الفضائيات، حيث خرجت الأغنية الشعبية السورية من المحلية الضيقة إلى الانتشار الإقليمي، فارضةً لغتها اليومية وخصوصيتها الثقافية على المشهد العام.

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص