بغداد تستعيد ذاكرتها البصرية: الفن يخرج من صالات النخبة إلى قلب المدينة

بغداد تستعيد ذاكرتها البصرية: الفن يخرج من صالات ا

في مدن عانت من ويلات الحصار والحروب، لا يعود الفن مجرد ترف جمالي، بل يتحول إلى أداة للبقاء وإعلان حتمية الحياة. في بغداد، التي سُلب متحفها الوطني ذات غزو، لم تمت الألوان، بل خرجت من صالات العرض النخبوية المغلقة لتفترش أزقة المدينة القديمة، وتحديداً في منطقتي الشواكة والقشلة، حيث يعيد الفنانون العراقيون ترميم ذاكرة مدينتهم، متجاوزين أزمات التسليع وغياب سوق الفن، ليثبتوا أن بغداد لا ترسم لتبيع، بل ترسم لتحيا.

في الشارع الرئيسي لمنطقة الشواكة، تستوقف المارة لافتة تحمل اسم خان بغداد. وما إن يعبر الزائر عتبة المكان حتى تتبدل ملامح المشهد؛ لوحات تتوزع على الجدران، وأعمال نحت ومشاغل فنية داخل مبنى بغدادي قديم جرى ترميمه وإعادة توظيفه، ليصبح وجهة جديدة للفنانين والمهتمين بعالم الألوان.

خان
خان بغداد مساحة لعرض لوحات رسم في منطقة الشواكة وسط بغداد

الفن يخرج من عزلته

يؤكد التشكيلي والأستاذ في تاريخ الفن، رياض غنيّة، أن التغيير في المشهد التشكيلي العراقي يحمل أملاً بمستقبل مختلف، مشيراً إلى تجربة خان بغداد التي جمعت فنانين من أجيال وتجارب متنوعة. ويضيف غنية أن هذه المساحات القريبة من حركة الناس تثير فضول المارة وتدفعهم لاكتشاف عالم الفن، بعيداً عن القاعات المغلقة.

في هذه المساحات، لم تعد اللوحة بعيدة عن تفاصيل الحياة اليومية؛ فالفن لم يعد ينتظر جمهوره داخل قاعات مغلقة، بل بات يقترب منه في الشارع، في منطقة يرتادها الناس، وفي أماكن تنبض بذاكرة المدينة

تحديات السوق والإنتاج

ورغم الانتعاش الفني، لا تزال سوق الفن العراقي تواجه صعوبات هيكلية. يصف غنية القيمة السوقية للوحات بأنها لا تزال مغامرة شخصية، حيث يعتمد الفنانون على وظائفهم لتمويل إبداعهم، في ظل غياب المقتنين المحليين وتأثر الطبقة الوسطى بالأزمات الاقتصادية.

وتتفق الخزافة والتشكيلية كريمة هاشم مع هذا الطرح، مشيرة إلى أن الفنان غالباً ما يتحمل كلفة إنتاج أعماله بنفسه. ورغم ذلك، توضح أن السنوات الأربع الأخيرة شهدت انتعاشاً ملحوظاً بفضل تزايد المعارض، مما يبرز مفارقة واضحة: حركة فنية تزدهر، ولوحة تكافح لإيجاد من يقتنيها.

خان
في خان بغداد مساحة لأعمال فنانين من أجيال وتجارب متنوعة

آراك.. أجيال تتوارث الألوان

وفي مبنى القشلة التراثي، نظمت مجموعة من الشباب معرض آراك التشكيلي. وترى التشكيلية غفران الجنابي في هذه التجارب ملامح مرحلة جديدة للفن العراقي، حيث تبرز مواهب شابة لا تحتاج لـ اسم كبير لتلفت الأنظار، مؤكدة أن الحركة المتزايدة تعيد الاهتمام بـ اللوحة المحسوسة وتنتصر للفن الأصيل.

مقاومة المحو

لم تكن عودة هذه الفضاءات حدثاً منفصلاً عن تاريخ طويل من المكابدة. فمنذ تأسيس المتحف الوطني للفن الحديث عام 1962 بدعم من كالوست كولبنكيان، وحتى نهب مقتنياته في عام 2003، تعرضت الذاكرة البصرية العراقية لضربات موجعة. واليوم، تبدو الحركة التشكيلية العراقية وكأنها تقاوم هذا المحو، محاولة وصل خيط الذاكرة الذي انقطع، لتثبت أن ألوان بغداد عصية على السرقة والنسيان.

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص